حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 541
كانُوا يَكْسِبُونَ (14) رد لما قالوه وبيان لما أدى بهم إلى هذا القول بأن غلب عليهم حب المعاصي بالانهماك فيها حتى صار ذلك صدأ على قلوبهم فعمي عليهم معرفة الحق والباطل، فإن كثرة الأفعال سبب لحصول الملكات كما قال عليه السّلام: «إن العبد كلما أذنب ذنبا حصل في قلبه نكتة سوداء حتى يسود قلبه» والرين الصدأ. وقرأ حفص «بل ران» بإظهار اللام. وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر «بل رين» بالإمالة. كَلَّا ردع عن الكسب الرائن.
كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) فلا يرونه بخلاف المؤمنين ومن أنكر الرؤية جعله تمثيلا لإهانتهم بإهانة من يمنع عن الدخول على الملوك، أو قدر مضافا مثل: رحمة ربهم أو قرب ربهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جمع فلس، والسطر بفتح الطاء مثله ويجمع على أسطار مثل سبب وأسباب، ثم يجمع على أساطير والأساطير الأباطيل جمع أسطورة بالضم، أو إسطارة بالكسر. فأساطير الأولين أحاديثهم وأخبارهم الباطلة. قوله: (رد لما قالوه) من أن ما يتلى عليهم أساطير يعني أن كلمة «بل» ههنا للإضراب عن قولهم ذلك بعد ردعهم عنه، وأن وجه الإضراب عنه إبطاله. وقد يكون الإضراب لمجرد الإعراض عما سبق وجعله في حكم المسكوت عنه مع الشروع فيما هو أهم، وههنا أضرب عنه لبطلانه في نفسه وشرع في بيان ما أدى بهم إليه كأنه قيل: ليس الأمر كما يقولون من أنه أساطير بل كان ما كسبوه من الأفعال القبيحة سببا لحصول الرين وهو الدنس والصدأ في قلوبهم، فلذلك أضرب عن ذلك القول الباطل.
قوله: (فإن كثرة الأفعال سبب لحصول الملكات) تعليل لكون الانهماك في المعاصي سببا لغلبة حب المعاصي عليهم، فإن الإنسان كلما تكرر عليه مباشرة المعصية حصلت في قلبه ملكة نفسانية يزول بسببها اتقاؤه عن ارتكابها بل يزداد ميله ورغبته فيها، فذلك رين ودنس وظلمة على القلب مانعة من إدراك الحق والباطل، كما أن الطاعات لها أنوار وضياء معينة لمعرفة الحق والباطل، فكلما كثرت الذنوب ازداد القلب ظلمة واسودادا وبحسب اسوداده يزداد المرء وقاحة حتى إذا اسودّ القلب كله- والعياذ باللّه تعالى- لم يبق في قلبه شيء من المعرفة والحياء، ويرتفع بالكلية ما يمنعه عن ارتفاع الشهوة والغضب فيغلب عليه حب المعاصي بحيث لا يقدر على الامتناع عنها. وكلمة «ما» في قوله تعالى: ما كانُوا يَكْسِبُونَ يجوز أن تكون مصدرية وأن تكون موصولة وراجعها محذوف ومحلها على التقديرين الرفع على الفاعلية أي غلب على قلوبهم كسبهم الذي كانوا يكسبونه. قوله: (فلا يرونه بخلاف المؤمنين) وهذه الآية من جملة أدلة الرؤية، فإن المؤمنين لو لم يروه في الآخرة كالكفار لما كان لتخصيص الكفار بأنهم محجوبون عن اللّه تعالى فائدة. وأيضا أنه ذكر الحجاب هنا في معرض الوعيد والتهديد للكفار وما يكون