حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 547
وتكلفت في الخلو أقصى جهدها حتى لم يبق شيء في باطنها.
وَأَذِنَتْ لِرَبِّها في الإلقاء والتخلية وَحُقَّتْ (5) للإذن وتكرير إذ الاستقلال كل من الجملتين بنوع من القدرة وجوابه محذوف للتهويل بالإبهام، أو الاكتفاء بما مر في سورتي التكوير والانفطار، أو بدلالة قوله:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انثناء فيه واستوى. وقيل: إنه مأخوذ من مده إذا أمده أي يتزايد سعتها يوم القيامة لوقوف الخلائق عليها للحساب. واعلم أنه لا بد من الزيادة في وجه الأرض سواء كان ذلك بتمديدها أو إمدادها، لأن الخلائق بأسرهم من الأولين والآخرين لما كانوا واقفين على ظهرها يوم القيامة لا بد من الزيادة في طولها وعرضها. عن علي بن الحسن أنه قال: قال رسول اللّه عليه الصلاة والسّلام: «إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم حتى لا يكون لبشر من الناس إلا موضع قدميه» . يعني لكثرة الخلائق فيها.
قوله: (وتكلفت) أي خلت غاية الخلو حتى لم يبق في باطنها شيء فصارت بذلك كأنها تكلفت في الخلو أقصى وسعها وطاقتها، فإن حقيقة التكلف غير متصورة في الأرض. والجهد بضم الجيم الطاقة وبالفتح المشقة. وقوله: وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ ليس بتكرار لأن الأول في حق السماء وهذا في الأرض. ثم إنه تعالى لما ذكر من مقدمات القيامة ومباديها أمورا وجعلها شروطا ولم يذكر جزاءها ليكون إبهامه أدخل في التهويل، كأنه قيل: إذا وقعت هذه الأمور كان ما لا يدخل تحت الوصف والبيان، خاطب جنس الإنسان خطابا منزلا منزلة مخاطبة كل واحد منهم على التعيين فقال له: إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحًا والكدح في اللغة السعي الشديد في العمل، وذلك العمل إما الذهاب إليه تعالى بأن يفارق البدن بالموت ويصل إلى عالم الأرواح، وإما أعماله التي عملها في الدنيا من الخير والشر فإنه يسعى بها إلى ربه فيحاسبه بها. فالمعنى على الأول: أنك ساع مجتهد تسير مع أنفاسك كما قيل: أنفاسك خطاك سيرا سريعا إلى ربك أي إلى لقائه بالموت فَمُلاقِيهِ عند مجيء أجلك فانظر بأي عمل تلقاه أي فألقه بعمل ينجيك لا بعمل يرديك. وعلى الثاني أنك كاد بعملك في دنياك كدا وسعيا تسير إلى ربك فيحاسبك ويجازيك به فانظر بأي عمل تسير إليه.
قوله: (أو الاكتفاء) عطف على التهويل يعني أن المحذوف إما مبهم يذهب ذهن السامع كل مذهب لإبهامه لكون ذلك أدخل في التهويل، أو متعين وهو قوله: علمت نفس ما تسعى فيه من خير وشر ولم يذكر اكتفاء بما مر. قوله: (أو بدلالة قوله) عطف على قوله: «ما مر» وقوله: «عليه» أي على الجواب المحذوف وهو متعلق بالدلالة.