حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 548
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ (6) عليه. وتقديره لاقى الإنسان كدحه أي جهدا يؤثر فيه من كدحه إذا خدشه، أو فملاقيه. ويا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك اعتراض والكدح إليه السعي إلى لقاء جزائه.
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا (8) سهلا لا يناقش فيه.
وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9) إلى عشيرته المؤمنين، أو فريق من المؤمنين، أو أهله في الجنة في
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (10) أي يؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره. قيل: يغل يمناه إلى عنقه ويجعل يسراه وراء ظهره.
فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُورًا (11) يتمنى الثبور ويقول: يا ثبوراه وهو الهلاك
وَيَصْلى سَعِيرًا (12) وقرأ الحجازيان الشامي والكسائي و «يصلى» كقوله
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لاقى الإنسان كدحه) أي عمله الذي كدح فيه وتعب. وفيه إشارة إلى أن ضمير «ملاقيه» راجع إلى الكدح إلا أن الكدح لكونه عرضا لا يبقى بمتنع تلاقيه فلا بد من تقدير المضاف إليه أي فملاقي حسابه وحكمه لا مفر له منه. قوله: (أي جهدا يؤثر فيه) بفتح الجيم وهو المشقة والتعب، وهو تفسير لقوله: كَدْحًا لا بضمها ولذلك عطف عليه الكد في الكشاف حيث قال: الكدح جهد النفس في العمل، والكد فيه حتى يؤثر فيها من كدح جلدة وجهه إذا خدشها. قوله: (أو فملاقيه) عطف على قوله: «محذوف» وإذا كان قوله:
فَمُلاقِيهِ جواب إذا يكون قوله: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ معترضا بين الشرط والجزاء، والمعنى: إذا كان يوم القيامة لقي الإنسان عمله أي جزاء عمله. وإليه أشار بقوله:
«والكدح إليه السعي إلى لقاء جزائه» . قوله: (لا يناقش فيه) يعني أن الحساب اليسير هو العرض بأن تعرض عليه أعماله ويعرف أن الطاعة منها هذه وأن المعصية هذه، ثم يثاب على الطاعة ويتجاوز عن المعصية فهذا هو الحساب اليسير لأنه لا شدة فيه على صاحبه ولا مناقشة. ولا يقال له: لم فعلت هذا؟ ولا يطالب بالعذر ولا بالحجة عليه فإنه متى طولب بذلك لم يجد عذرا ولا حجة فيفتضح، كما قال عليه الصلاة والسّلام: «من نوقش في الحساب فقد هلك» والحساب اليسير هو العرض و «سوف» من اللّه تعالى واجب. قوله: (أي يؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره) يعني أن قوله تعالى في هذه السورة: وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ لا ينافي قوله في سورة الحاقة وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ [الحاقة: 25] لإمكان الجمع بينهما بأن تخلع يده اليسرى من موضعها فتجعل وراء ظهره فيعطى كتابه بشماله خلف ظهره. قيل: ويحتمل أن يكون بعضهم يعطى كتابه بشماله وبعضهم من وراء ظهره، ولما أوتي كتابه من غير يمينه علم أنه من أهل النار فيقول: واثبوراه. قيل: الثبور مشتق من المثابرة على الشيء وهي المواظبة عليه، وسمي هلاك الآخرة ثبورا لأنه لازم لا يزول. قوله:
(وقرأ الحجازيان) وهما نافع وابن كثير والشامي، وهو ابن عامر «يصلي» بضم الياء وفتح