حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 552
بعد طبق ليلة المعراج. وقرئ بالكسر على خطاب النفس وبالياء على الغيبة. و «عن طبق» صفة «لطبقا» أو حال من الضمير بمعنى مجاوزا لطبق أو مجاوزين له.
فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (20) بيوم القيامة
وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (21) لا يخضعون أو لا يسجدون لتلاوته، لما روي أنه عليه الصلاة والسّلام قرأ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [العلق: 19] فسجد بمن معه من المؤمنين وقريش تصفق فوق
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السّلام فيها من الظفر والغلبة على المشركين المكذبين بالبعث وإظهار دينه على الأديان كلها، وإما مراتبه عليه الصلاة والسّلام في القرب من اللّه تعالى والاستحقاق لأنواع فضله ورحمته بحيث لا يعلم كنه ذلك غيره تعالى، وإما ما ركبه من طبقات السماء كأنه تعالى يقول: أقسم يا محمد على أنك لتركبن حالا بعد حال حتى يختم لك بعاقبة جميلة فلا يحزنك كفرهم وتماديهم في الكفر والتكذيب، أو لتركبن درجة بعد درجة في القرب من اللّه تعالى والكرامة عنده، أو لتركبن السموات طبقا بعد طبق فإنها سبع سموات طباقا. فهي بشارة له عليه الصلاة والسّلام بصعوده إلى السموات لمشاهدة ملكوتها وإجلال الملائكة إياه فيها. وقد فعل اللّه تعالى به ذلك ليلة الإسراء. وقوله: «بعد حال وبعد المراتب» إشارة إلى أن «عن» بمعنى بعد ووجه ذلك أن الإنسان إذا صار إلى الشيء مجاوزا عن شيء آخر فقد صار إلى الثاني بعد الأول، فصح أن يستعمل فيه «بعد» و «عن» معا. وأيضا لفظة «عن» تفيد البعد والمجاوزة فكانت مشابهة للفظة «بعد» فصح استعمال إحداهما بمعنى الأخرى. قوله: (وعن طبق صفة لطبقا) أي لتركبن طبقا كائنا بعد طبق، أو حال من الضمير في «لتركبن» . وقوله:
«مجاوز لطبق» على قراءة «تركبن» بفتح الباء وقوله: «أو مجاوزين له» على القراءة بضم الباء. قوله: (بيوم القيامة) خص يوم القيامة بانتفاء إيمانهم به مع أنهم لا يؤمنون بأكثر ما يجب الإيمان به بل بكله من حيث إن الكلام مسوق لتوبيخ منكري البعث والقيامة وتشنيع حالهم، لأنه تعالى حكى عن الكافر أنه ظن أن لن يحور ثم حكم بأنه يحور البتة ثم أقسم بالحوادث المتغيرة الطارية على الأفلاك والعناصر على أن الناس يلقون بعد البعث طبقا بعد طبق إلى أن يستقر كل أحد فيما أعد له. فإن الشفق حالة مخالفة لما قبلها وهو ضوء النهار ولما بعدها وهو ظلمة الليل، وكذا الليل حالة حادثة بعد انبساط ضوء النهار بتغير أحوال الحيوانات من التفرق إلى الاجتماع ومن اليقظة إلى النوم، وكذا اتساق القمر وكونه بدرا حالة حادثة بعد كونه ناقصا. فهو تعالى أقسم بهذه المذكورات على أنهم يبعثون ويركبون طبقا عن طبق، فتخصيص هذه المذكورات بجعلها مقسما بها من حيث إن لها دلالة على ثبوت الدعوى فإن من قدر على تغيير الأجرام العلوية والسفلية من حال إلى حال على حسب المصالح ومقتضى الحكمة لا بد أن يكون قادرا على جميع الممكنات عالما بجميع