فهرس الكتاب

الصفحة 5352 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 560

ووصفه بكونه عزيزا غالبا يخشى عقابه حميدا منعما يرجى ثوابه. وقرن ذلك بقوله:

الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9) للإشعار بما يستحق أن يؤمن به ويعبد.

إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بلوهم بالأذى. ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ بكفرهم. وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ (10) العذاب الزائد في الإحراق

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أصحاب الأخدود يستحقون لعنة اللّه تعالى وسخطه، وذلك أن من اتصف بكونه عزيزا غالبا قادرا يخشى عقابه وحميدا أي محمودا لجميع المخلوقات بلسان المقال أو بلسان الحال، فإن كل ذرة من ذرات الكائنات يثني على صانعه بكمال العلم والقدرة والحكمة ويحمده على ما أنعم به عليه من نعمة الإيجاد وما يتفرع عليها من سائر النعم، وبكونه بحيث ثبت له ملك السموات والأرض بحيث لا يشاركه أحد في تصرف شيء منهما يستحق أن يؤمن ويصدق بأنه رب العالمين ويخص بالعبادة، فالجاهل الذي نقم الإيمان به وتخصيصه بالعبادة يكون في نهاية الغواية ويستحق اللعن والسخط العظيم. وأخّر ذكر اختصاصه تعالى بالملك التام عن كونه تعالى عزيزا حميدا لأن الصفة الأولى دالة على كمال القدرة والثانية دالة على كمال العلم، ولا شك أن اختصاصه بالملك التام بحيث يكون موجدا لجميع الكائنات ويكون إبقاؤها موجودة وإفناؤها مفوضا إلى محض مشيئته إنما يكون عند حصول الكمال في القدرة والعلم. وقوله تعالى: عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ وعيد لهم لأن من لا يخفى عليه شيء يجازي كل أحد على وفق عمله فهو وعد عظيم للمطيعين ووعيد شديد للمجرمين. ثم إنه تعالى لما ذكر قصة أصحاب الأخدود وما فعلوا بالمؤمنين إذ هم عليها قعودا تبعها بذكر عقاب من آذى المؤمنين وبذكر ثواب أهل الإيمان والطاعة. قوله: (بلوهم بالأذى) إشارة إلى أن أصل الفتنة الابتلاء والامتحان وذلك قد يكون بالسراء وقد يكون بالأذى. والمراد بها في الآية الابتلاء بالأذى بقرينة المقام، فإن أولئك الكفار امتحنوا المؤمنين بعرضهم على النار وإحراقهم بها وإلى أن المراد بالذين فتنوا المؤمنين كل من فعل ذلك من أصحاب الأخدود وغيرهم لأن كل واحد من اللفظ والحكم عام، فالتخصيص ترك للظاهر من غير دليل. وقال بعض المفسرين: الفتنة هي الإحراق لقوله: ثم بالنار يفتنون. قوله: (العذاب الزائد في الإحراق) يعني أن الفاتنين يعذبون في الآخرة بنوعين من عذاب الإحراق: الأول جزاء كفرهم والثاني جزاء فتنتهم وإيذائهم المؤمنين. والحريق اسم كالحرقة بمعنى الاحتراق. وفي الصحاح: تحرق الشيء بالنار واحترق، والاسم الحرقة والحريق. والنوع الثاني وإن كان من قبيل عذاب الإحراق بالنار إلا أنه خص باسم الحريق للدلالة على أنه عذاب زائد على النوع الأول من العذاب من حيث إن كل واحد منهما وإن كان عذابا عظيما في نفسه إلا أن الثاني لما اجتمع مع الأول قوي واشتد وصار كأنه هو عذاب الحريق، وأن الأول ليس بالنسبة إليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت