حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 561
بفتنتهم. وقيل: المراد بالذين فتنوا أصحاب الأخدود خاصة وبعذاب الحريق ما روي النار انقلبت عليهم فأحرقتهم.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (11) إذ الدنيا وما فيها تصغر دونه.
إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) مضاعف عنفه، فإن البطش أخذ بعنف.
إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13) يبدئ الخلق ويعيده، أو يبدئ البطش بالكفرة في الدنيا ويعيده في الآخرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعذاب الحريق. قوله: (وقيل المراد الخ) عطف من حيث المعنى على قوله: «بلوهم بالأذى» فإنه قد فهم منه أن قوله: الَّذِينَ فَتَنُوا يتناول أصحاب الأخدود وغيرهم، وأن المراد بالمؤمنين المؤمنون المفتونون مطلقا، وأن المراد بفتنة المؤمنين إيذاؤهم مطلقا، وأن المراد بعذاب الحريق عذاب الآخرة، وعطف عليه ما قيل من أن المراد بالذي فتنوا أصحاب الأخدود والمعنى: فلهم عذاب جهنم في الآخرة ولهم عذاب الحريق بنار الأخدود في الدنيا. فإنه روي أنهم لما ألقوا المؤمنين في النار ارتفعت من الأخدود إلى الملك واتباعه نار فأحرقتهم فأهلكوا بنفس ما فعلوه بأيديهم لأجل هلاك غيرهم، ونجى اللّه تعالى المؤمنين الذين ألقوا في النار بقبض أرواحهم قبل أن تمسهم النار. فيكون قوله تعالى: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ [البروج: 4] دالا على أنهم كانوا ملعونين في تلك الحالة وأنهم خسروا الدنيا والآخرة. ثم إنه تعالى ذكر ما أعده للمؤمنين فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا الآية. قال الإمام:
إنما قال ذلك الفوز ولم يقل تلك لدقيقة لطيفة وهي أن قوله: «ذلك» إشارة إلى إخبار اللّه تعالى بحصول هذه الجنات لهم وقوله: «تلك» إشارة إلى الجنات وإخبار اللّه تعالى بذلك يدل على كونه راضيا عنهم؛ والفوز الكبير هو رضى اللّه تعالى لا خصوص الجنة. ثم إنه تعالى لما ذكر وعيد المجرمين ووعد المؤمنين أكد كل واحد منهما فقال لتأكيد الوعيد: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ والبطش هو الأخذ بعنف فإذا وصف بالشدة فقد تضاعف عنفه، ثم استدل على شدة بطشه بذكر اقتداره على الإبداء والإعادة بحيث لا يقدر عليهما غيره فقال:
إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ويجوز أن يكون المقصود المبالغة في الوعيد لبيان أن بطشه لا يختص بالدنيا ولا بالآخرة بل إن شاء بطش فيها وإن شاء يمهل العاصي ويؤخر أمر المجازاة إلى يوم القيامة. وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال: إن أهل جهنم تأكلهم النار حتى يصيروا فحما ثم يعيدهم خلقا جديدا، فذلك هو المراد بقوله تعالى: إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ثم قال لتأكيد الوعد: وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ وذكر من صفات جلاله وكبريائه خمس صفات:
أولها الغفور. قال الإمام حكاية عن المعتزلة أنهم قالوا: هو الغفور لمن تاب. وقال أصحابنا: إنه غفور مطلقا لمن تاب ولمن لم يتب لقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: 48] ولأن الآية مذكورة في معرض التمدح والتمدح