حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 562
وَهُوَ الْغَفُورُ لمن تاب الْوَدُودُ (14) المحب لمن أطاع
ذُو الْعَرْشِ خالق.
وقيل: المراد بالعرش الملك. وقرئ «ذي العرش» صفة «لربك» الْمَجِيدُ (15) العظيم في ذاته وصفاته، فإنه واجب الوجود تام القدرة والحكمة. وجره حمزة والكسائي صفة «لربك» أو «للعرش» ومجده علوه وعظمته.
فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (16) لا يمتنع عليه مراد من أفعاله وأفعال غيره.
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18) أبدلهما من الجنود لأن المراد بفرعون هو وقومه. والمعنى: قد عرفت تكذيبهم للرسل وما حاق بهم فتسل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بكونه غفورا مطلقا أتم وأكمل، فالحمل عليه أولى. انتهى كلامه. ولأن الغفور صيغة مبالغة فالمناسب أن تحمل على الإطلاق. قال الإمام الغزالي: الفعال ينبئ عن كثرة الفعل والفعول ينبئ عن جودته وكماله وشموله، فهو تعالى غفور بمعنى أنه تام الغفران كامله حتى يبلغ أقصى درجات المغفرة. انتهى كلامه. ولا شك أن الغافرية مطلقا أجود وأكمل وأشمل فحمل صيغة المبالغة عليها أولى لا سيما في مقام التمدح، فقول المصنف: «الغفور لمن تاب» ينبغي أن يكون المراد به لمن تاب عن الكفر.
قوله: (المحب لمن أطاع) على أن الودود فعول بمعنى فاعل والمحبة في حقه تعالى يراد بها إرادة الكرامة والإحسان والإنعام لمن أطاعه وهي صفة مدح له تعالى لأنه لا يجب عليه شيء وإنما هو مجرد فضل منه وإحسان. وقيل: يجوز أن يكون الودود فعولا بمعنى مفعول نحو: ركوب وحلوب ومعناه أن عباده الصالحين يودونه لما عرفوه من فضله وجلالة ذاته ولما اتسع عليهم من فنون بره وإحسانه. والودود بهذا المعنى أيضا صفة مدح له تعالى لأنهم إنما يحبونه لفضله وإفضاله. قوله: (وقيل المراد بالعرش الملك) فإنهم يكنون بالعرش عن الملك لكونه من لوازم الملك يقال: استولى فلان على العرش وإن لم يجلس عليه، وثل عرش فلان إذا ذهب سلطانه. قوله: (لا يمتنع عليه مراد من أفعاله وأفعال غيره) فهذه الآية من جملة ما استدل به الأشاعرة في مسألة خلق الأفعال. قالوا للمعتزلة: إنكم تقولون إنه تعالى يريد الإيمان والطاعة من كل مكلف فيجب أن يكون فاعلا لهما بمقتضى هذه الآية، وإذا كان فاعلا لهما وجب أن يكون فاعلا للكفر والمعصية أيضا إذ لا قائل بالفصل. روي أنه دخل على أبي بكر قوم يعودونه فقالوا: يا خليفة رسول اللّه ألا ندعو لك طبيبا ينظر إليك؟ قال: قد نظر إليّ. قالوا: فأي شيء قال لك؟ قال: قال: إني فعال لما أريد. ثم إنه تعالى لما ذكر قصة أصحاب الأخدود وأوعد بذكرها كفار قريش تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولمن تأذى من المؤمنين من قبل المشركين، ردف التسلية والإيعاد بقوله: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ أي قد أتاك يا محمد خبر الجموع الكافرة المكذبة لأنبيائهم، ثم بينهم بقوله:
فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ. قوله: (أبدلهما من الجنود) جواب عما يقال: كيف أبدل فرعون من