حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 567
البيضتين، فالدماغ أعظم الأعضاء معونة في توليدها ولذلك تشبهه ويسرع الإفراط في الجماع بالضعف فيه وله خليفة وهي النخاع وهو في الصلب وشعب كثيرة نازلة إلى الترائب وهما أقرب إلى أوعية المني فلذلك خصا بالذكر. وقرئ «الصلب» بفتحتين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ذينك الموضعين فليس الأمر كذلك، لأنه إنما يتولد من فضالة الهضم الرابع وينفصل عن جميع أجزاء البدن حتى يأخذ من كل عضو طبيعة وخاصية فيصير مستعدا لأن تتولد منه تلك الأعضاء، ولذلك ترى المفرط في الجماع يستولي الضعف على جميع أعضائه. وإن كان المراد أن معظم أجزاء المني يتولد هناك فهو ضعيف بل معظم أجزائه إنما يتربى ويتولد في الدماغ، والدليل عليه أن المني يشبه الدماغ في صورته ولأن المكثر من الجماع يظهر الضعف أولا في عينيه. وإن كان المراد أن مستقر المني هناك فضعيف أيضا لأن مستقره هو أوعية المني وهي عروق يلتف بعضها ببعض عند البيضتين. وإن كان المراد أن مخرج المني هو الصلب والترائب فليس كذلك بل مخرجه هو الإحليل. كذا نقل الإمام شبهتهم. ثم أجاب عنها بقوله: لا شك أن معظم الأعضاء معونة في توليد المني هو الدماغ وللدماغ خليفة وهي النخاع وهو في الصلب وله شعب كثيرة نازلة إلى مقدم البدن وهي التريبة، فلهذا السبب خص اللّه تعالى هذين العضوين بالذكر على أن كلامهم في كيفية تولد الأعضاء من المني كلام بمحض الوهم والظن الضعيف، وكلام اللّه تعالى أولى بالقبول. انتهى كلامه. والحاصل أن الملاحدة خفي عليهم وجه قوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ بناء على زعمهم أن المني ينفصل عن جميع أجزاء البدن فيأخذ من كل عضو طبيعة وخاصية فيستعد لأن يتولد منه مثل تلك الأعضاء، فأشار المصنف أولا إلى منع زعمهم بأنه محض وهم وظن ضعيف واللّه تعالى أصدق القائلين وأعلم بأحوال ما خلقه على أي وجه يتولد ومن أي موضع يخرج، فكلامه المجيد هو المعول عليه. وأجاب ثانيا بأنا لو سلمنا صحة ما زعموه نقول:
وجه تخصيص الصلب والترائب اللذين يتصل بهما معظم ما يتولد منه المني المستقر في الأوعية كونهما أقرب إلى تلك الأوعية، ولذا خصا بالذكر وجعلا مخرجا له وإن كان معظم المخرج هو الدماغ والنخاع، ولا ضرورة إلى تخصيص الترائب بالنساء فإنه قد ذهب قوم إلى أن الولد مخلوق من الماء الذي يخرج من بين الصلب والترائب للرجل. واحتج على ما ذهب إليه بأن اللّه تعالى بيّن أن الإنسان مخلوق من ماء دافق وأن الموصوف بذلك الوصف هو ماء الرجل. ثم إنه تعالى وصف ذلك الماء الدافق بأنه يخرج من بين الصلب والترائب فدل ذلك على أن الترائب ترائب الرجل، وعدم التعرض لماء المرأة لا ينافي أن يكون لمائها مدخل في تكون الولد. وأجاب القائلون بالترائب ترائب المرأة عن هذا الاحتجاج بأن توصف هذا الماء الممتزج بالدافق من قبيل توصيف المجموع بوصف بعض أجزائه.