حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 569
السحاب يحمل الماء من البحار ثم يرجعه إلى الأرض وعلى هذا يجوز أن يراد بالسماء السحاب.
وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (12) ما تتصدع عنه الأرض من النبات أو الشق بالنبات والعيون.
إِنَّهُ إن القرآن لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) فاصل بين الحق والباطل.
وَما هُوَ بِالْهَزْلِ (14) فإنه جد كله
إِنَّهُمْ يعني أهل مكة يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) في إبطاله وإطفاء نوره.
وَأَكِيدُ كَيْدًا (16) وأقابلهم بكيدي في استدراجي لهم وانتقامي منهم بحيث لا يحتسبون
فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ فلا تشتغل بالانتقام منهم أو لا تستعجل بإهلاكهم. أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (17)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ذي رجوع وأوب، أو لأنه لكثرة رجوعه وأوبه جعل نفس الرجوع والأوب مبالغة، أو لأن الرجع بمعنى الراجع فإن المطر النازل من السماء هو الذي صعد من البحار بأن حمله السحاب منها ثم رجع إلى جانب الأرض. ورجع يستعمل لازما ومتعديا يقال: رجع هو بنفسه ورجعه غيره قال تعالى: فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ [طه: 40] وهذيل تقول: أرجعه غيره.
قوله: (من النبات) بيان ما في قوله «ما تتصدع عنه الأرض» فعلى هذا يكون المراد بالصدع نبات الأرض سمي به لكونه صادعا للأرض والأرض تتصدع به، ولما لم يتأت خروجه من الأرض إلا بصدعه إياها جعل كأنه نفس الصدع فسمي به. قوله: (أو الشق) عطف على قوله: «ما تتصدع» فإن الصدع في اللغة الشق والأرض ذات الشق بالنبات والعيون، فعلى هذا يكون الصدع على أصل معناه إلا أن الصدع بهذا المعنى لما لم يكن نعمة في نفسه بل وسيلة إلى خروج ما هو نعمة في نفسه وهو النبات والعيون أخّره في الذكر لفوات الملاءمة بين هذه القرينة وبين قوله: وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ حينئذ لأن الرجع بأي معنى كان نعمة في نفسه. ثم إنه تعالى لما أقسم في أول هذه السورة الكريمة على أن من آذى المؤمنين ملعونون وسلى رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين وثبتهم على أذى المشركين وصبرهم عليه، وبيّن عقاب الكافرين وثواب المؤمنين، أقسم قسما آخر بقوله: وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ على أن القرآن الذي بيّن هذه الأمور لقول فصل يفصل بين الحق والباطل، وأشار إلى كيفية خلقه النبات في هذا القسم كما أشار فيما قبل إلى كيفية خلقه الحيوان، فإن السماء ذات الرجع كالأب والأرض ذات الصدع كالأم يتولد من اجتماعهما أنواع النباتات. ثم إنه تعالى بعد ما أخبر بحقية القرآن وأقسم عليه بيّن أنهم يكيدون كيدا في إبطاله بإلقاء الشبهات لإبطال بعض ما أخبر به القرآن كقولهم: إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا [الأنعام: 29؛ المؤمنون: 37] وقولهم: مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [يس: 78] وقولهم: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا [ص: 5] وقولهم:
لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ [الزخرف: 31] وقولهم: فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الفرقان: 5] وبالطعن في مبلغه بقولهم: ساحر وشاعر ومجنون وبقصد قتله عليه الصلاة والسّلام كما قال تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ