فهرس الكتاب

الصفحة 5388 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 595

فَأَمَّا الْإِنْسانُ متصل بقوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ كأنه قيل: إنه لبالمرصاد من الآخرة فلا يريد إلا السعي لها، فأما الإنسان فلا يهمه إلا الدنيا ولذاتها. إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ اختبره بالغنى واليسر فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ بالجاه والمال. فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) فضلني بما أعطاني وهو خبر المبتدأ الذي هو الإنسان، والفاء لما في إما من معنى الشرط والظرف المتوسط في تقدير التأخير كأنه قيل: فأما الإنسان فقائل: ربي أكرمني وقت ابتلائه بالإنعام وكذا قوله:

وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ إذ التقدير وأما الإنسان إذا ما ابتلاه أي بالفقر والتقتير ليوازن قسيمه فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (16) لقصور نظره وسوء فكره، فإن التقتير قد يؤدي إلى كرامة الدارين إذ التوسعة قد تفضي إلى قصد الأعداء والانهماك في حب الدنيا. ولذلك ذمه على قوليه وردعه بقوله:

كَلَّا مع أن قوله الأول مطابق لأكرمه ولم يقل: فأهانه وقدر عليه كما قال، فأكرمه ونعمه،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المشبه بها. قوله: (كأنه قيل إنه بالمرصاد من الآخرة) أي من أجل الآخرة وجزائها فيجب أن يهتم الإنسان بأمر الآخرة ويسعى لها لكنه لا يهتم إلا بأمر الدنيا ولا يخطر بباله أمر الآخرة بالكلية مع أنه تعالى تكفل برزقه وأعد للعصاة عذابا أليما، وكل واحد من الغني والفقير ابتلي منه تعالى. أما الأول فبأنه أيشكر أم يكفر؟ وأما الثاني فبأنه أيصبر أم يجزع؟ ويقول الإنسان إذا أغناه ربه: أكرمني ربي بما أعطاني يظن أن ما أعطاه ربه من الدنيا لكرامته عليه، ويقول إذا أفقره: أهانني ربي، وهذا من صفة الكافر فإنه يظن أن الكرامة والهوان بكرة الحظ من الدنيا وقلته، بخلاف المؤمن فإن الإكرام عنده هو توفيق اللّه تعالى لطاعته والهوان حرمانه منها. والعياذ باللّه تعالى. و «الإنسان» مبتدأ وقوله: «فيقول» خبره و «إذا» لمجرد الظرفية معمول للخبر لكونه مؤخرا عنه تقديرا. قوله: (والانهماك في حب الدنيا) فإن كثرة الممارسة بالشيء تورث تأكد المحبة به، فإن من أحب شيئا اشتغل به وأعرض عما يقطعه عنه فالتوسعة تؤدي إلى الإعراض عن اكتساب ما يؤدي إلى سعادة الآخرة، فكان كل واحد من قوليه:

«وهما قوله التقتير إهانة» وقوله: «التوسعة إكرام» مذموما مع أن قوله: «التوسعة إكرام» صادق في نفسه لأنه تعالى صدقه حيث قال: فَأَكْرَمَهُ. قوله: (ولم يقل فأهانه) عطف على قوله:

«ذمه على قوليه» يعني أنه تعالى لما قال في الجملة الأولى: فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ كان الظاهر أن يقول في قسيمه: فأهانه وقدر عليه ولم يقل كذلك لما ذكره من أن التقتير والتضييق ليس بإهانة بل قد يؤدي إلى كرامة الدارين بخلاف التوسعة والتفضيل بالمال والجاه فإنه إكرام في نفسه وهو صادق في قوله: (رب أكرمني) ولكنه ذمه على قول ذلك لا لكونه كاذبا فيه بل لسوء فكرته حيث ظن أنه تعالى إنما فضله بذلك لكرامته عليه ولم يعلم أنه تعالى كثيرا ما يوسع على العصاة والكفرة لأنه يفعل ما يشاء ويكون ذلك استدراجا ومكرا إلهيا في حقهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت