فهرس الكتاب

الصفحة 5396 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 603

لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (4) تعب ومشقة من كبد الرجل كبدا إذا وجعت كبده، ومنه المكابدة والإنسان لا يزال في شدائد مبدأها ظلمة الرحم ومضيقه ومنتهاها الموت وما بعده. وهو تسلية للرسول عليه الصلاة والسّلام مما كان يكابده من قريش والضمير في

أَيَحْسَبُ لبعضهم الذي كان يكابد منه أكثر أو يغتر بقوته كأبي الأشد بن كلدة، فإنه كان يبسط تحت قدمه أديم عكاظي ويجد به عشرة فينقطع ولا يزل قدماه، أو لكل أحد منهم أو للإنسان. أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5) فينتقم منه

يَقُولُ أي في ذلك الوقت أَهْلَكْتُ مالًا لُبَدًا (6) كثيرا من تلبد الشيء إذا اجتمع. والمراد ما أنفقه سمعة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يجوز أن يكون سؤالا عن الوصف ولهذا قال موسى عليه الصلاة والسّلام: رَبُّ السَّماواتِ [الشعراء: 24] الآية ويجوز أن يكون سؤالا عن الماهية، وأجاب عليه الصلاة والسّلام ببيان الأوصاف تنبيها لفرعون على أنه تعالى لا يعرف إلا بالأوصاف وأن ماهيته غير معلومة للبشر. انتهى. وقال المفسرون: قوله تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ [النساء: 3] تقديره: فانكحوا الطيب من النساء فجعلوا كلمة «ما» مستعملة في صفة من يعقل ومن لا تستعمل هكذا. ثم إن كلمة «ما» لشدة إبهامها تدل على أن الوصف الذي دل بها عليه بالغ إلى أقصى غاية الكمال فتفيد في مقام المدح تفخيم شأن الموصوف بأنه مما لا يكتنه كنهه في اتصافه بذلك. قوله تعالى: (فِي كَبَدٍ) منصوب المحل على أنه حال من الإنسان أي مكابدا مهيئا لأن تعتريه أنواع الشدائد والمصائب وهو جواب القسم. قال الإمام: حرفا «في» واللام متقاربان تقول: إنما أنت في العناء وإنما أنت للعناء والنصب. وفيه وجه آخر وهو أن قوله: فِي كَبَدٍ يدل على أن الكبد قد أحاط به إحاطة الظرف بالمظروف. والكبد في الأصل مصدر بمعنى توجع الكبد وتألمه يقال: كبد الرجل يكبد كبدا فهو كبد إذا وجعته كبده وانتفخت، ثم اتسع فيه حتى استعمل في كل تعب ومشقة ومنه المكابدة. والآية تسلية له عليه الصلاة والسّلام مما كان يكابده من قريش. فالمراد من الكبد إما شدائد الدنيا فقط، أو شدائد التكاليف فقط، أو شدائد الآخرة فقط، أو الكل. والظاهر من كلام المصنف أنه حمله على القبر ثم البعث والعرض على رب العالمين مالك يوم الدين إلى أن يصل إلى موضع الاستقرار إما في الجنة وإما في النار. ولا شك أن ما بينهما كما يتناول شدائد الدنيا يتناول شدائد التكاليف أيضا وهو الشكر على السراء بقضاء حقها والصبر على الضراء بالانقياد لمن ساقها. ثم إنه تعالى لما سلى رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم وحمله على الصبر على أذى قريش بأن أقسم على أنه خلق الإنسان في كبد أخذ في وعيد من كان عليه الصلاة والسّلام يكابد منه أكثر المكابدة أو يغتر هو بقوته أشد الاغترار وفي وعيد كل واحد من الفريقين، فإن قوله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ لما كان تسلية له عليه الصلاة والسّلام مما كان يكابده من أشقياء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت