حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 639
عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (5) بخلق القوى ونصب الدلائل وإنزال الآيات فيعلمك القراءة وإن لم تكن قارئا. وقد عدد سبحانه مبدأ أمر الإنسان ومنتهاه إظهارا لما أنعم عليه من أن نقله من أخس المراتب إلى أعلاها تقريرا لربوبيته وتحقيقا لأكرميته. وأشار أولا إلى ما يدل على معرفته عقلا ثم نبه على ما يدل سمعا. كَلَّا ردع لمن كفر بنعمة اللّه لطغيانه وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه.
كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (6) أَنْ رَآهُ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومقالاتهم ولا كتب اللّه المنزلة إلا بالكتابة، ولو لا هي لما استقامت أمور الدين والدنيا.
وصف اللّه تعالى نفسه أولا بوصف الربوبية ورتب عليه كونه خالقا للإنسان من علق تنبيها على أن الخالقية لا سيما خالقية أشرف المخلوقات من دلائل الربوبية ولوازمها، ثم وصفها بأنه الرب الأكرم ورتب عليه تعليمه الإنسان الخط بالقلم وتعليمه غير ذلك مما لا يعلمه الإنسان تنبيها على أن أجل المواهب وأعز المطالب هو إفادة الفوائد العلمية وما يؤدي إلى تقييدها وضبطها، لأن الأكرمية إنما تكون بإعطاء أعز العطايا، وفيه تشريف بليغ لشأن العلم فإنه لو كان في جملة المطالب ما هو أشرف منه لكان ذكره أولى في مقام بيان أكرميته.
قوله: (وقد عدد سبحانه الخ) يعني أنه لا مناسبة بحسب الظاهر بين أن يصف اللّه تعالى نفسه بأنه الذي خلق الإنسان من علق وبأنه الذي علم بالقلم، لكنه في التحقيق في غاية الحسن، وذلك لأنه تعالى بيّن أول أحوال الإنسان وهو كونه علقة وهي أخس الأشياء، وبيّن أيضا آخر أمره وهو صيرورته عالما بحقائق الأشياء وقادرا متمكنا على ضبط تلك العلوم وتقييدها وعلى تعليمها وتبليغها إلى أهل البلدان البعيدة وهو امتنان عظيم بنقله من أخس الأحوال إلى أعز المراتب وأشرفها، ودليل باهر على وجود الإله الكريم وفرط قدرته وكمال حكمته وهو قوله: ولما كان أول الواجبات معرفة اللّه تعالى نزل أولا ما يدل على وجوده. الخ. وأشار أولا إلى ما يدل على معرفته عقلا فإن قوله تعالى: بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ يدل دلالة عقلية على معرفته تعالى بصفات كماله من وجوب وجوده وكمال قدرته وعلمه وحكمته. وقوله: الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ تنبيه على ما يدل على معرفته تعالى سمعا فإن ما حصل بنظر العقل من المعرفة عقلي وما حصل بالتعليم سمعي، فإن الأحكام التي لا سبيل إلى معرفتها إلا السمع هي الحاصلة بالتعليم. قوله: (ردع لمن كفر بنعمة اللّه تعالى لطغيانه وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه) فإن الآية لما كانت مشتملة على أصول النعم ومباديها وهو خلق الإنسان من علق وعلى كمالها وغايتها وهو قوله: عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ تضمنت جميع النعم واستلزمت معرفة المنعم وشكر نعمته. ولما كان الرسول الذي بلغ هذه الآية لا بد له من المرسل إليهم وهم جهال لا يعرفون النعمة ولا المنعم فضلا عن القيام بشكرها، ردعهم وزجرهم عما هم عليه من الكفر والجهل فقال: