حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 640
اسْتَغْنى (7) أي رأى نفسه واستغنى مفعوله الثاني لأنه بمعنى علم، ولذلك جاز أن يكون فاعله ومفعوله الضميرين لواحد.
إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى (8) الخطاب للإنسان على الالتفات تهديدا وتحذيرا من عاقبة الطغيان و «الرجعى» مصدر كالبشرى.
أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (9) عَبْدًا إِذا صَلَّى (10) نزلت في أبي جهل قال: لو رأيت محمدا ساجدا لوطئت
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كَلَّا وبيّن أن سبب ذلك إنما هو الطغيان. قال مقاتل: معنى طغيانه أنه إذا أصاب مالا زاد في ثيابه ومركبه وطعامه وشرابه ونحو ذلك. وقال الكلبي: يرتفع من منزلة إلى منزلة في اللباس والطعام. قوله: (وذلك) أي ولكونه بمعنى علم جاز أن يكون فاعله ومفعوله ضميرين لشيء واحد، فإن ذلك من خصائص أفعال القلوب يقال: رأيتني وعلمتني، ولو كانت الرؤية ههنا بمعنى الإبصار لامتنع في فعلها الجمع بين الضميرين. وقوله تعالى: أَنْ رَآهُ أصله لأن رآه أي لرؤيته نفسه اسْتَغْنى أي مستغنيا فكان فاعله ومفعوله ضميرين لشيء واحد فحذفت اللام، كما يقال: إنكم لتطغون إن رأيتم غناكم فمحله النصب على أنه مفعول له. وأول السورة يدل على مدح العلم وشرفه وآخرها يدل على مذمة المال، وكفى بذلك مرغبا في الدين والعلم ومنفرا عن الدنيا والمال. والظاهر أن كون الغنى سببا للطغيان إنما هو في حق المحجوبين الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون، بخلاف أولي البصائر وأصحاب العرفان فإن عرض الدنيا لا يلهيهم عن ذكر المولى وطاعته كسليمان عليه السّلام فإنه قد نال من الملك ما لم ينله أحد من العالمين مع أنه لم يزدد بذلك إلا تواضعا واستكانة وكان يجالس المساكين ويقول: مسكين جالس مسكينا، وكعبد الرحمن بن عوف فإنه رضي اللّه عنه ما طغى مع كثرة أمواله بل العاقل يعلم أنه عند الغنى يكون أكثر حاجة إليه تعالى منه حال فقره، لأنه في حال فقره لا يتمنى إلا سلامة نفسه وفي حال الغنى يتمنى سلامة نفسه وماله ومماليكه.
قوله: (نزلت في أبي جهل) مبني على ما روي عن ابن عباس ومجاهد رضي اللّه عنهما أنهما قالا: هذه السورة أول ما نزل إلى قوله تعالى: إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى وما بعده نزل في أبي جهل إلى آخر السورة، فيكون المراد من الإنسان في قوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى جنس الإنسان. وجملته ووجه ارتباط بعضها ببعض أنه تعالى بيّن أنه خلق الإنسان من علق، ثم بيّن أنه رفعه من أخس المراتب إلى أعز مفاخر الموجودات وهو التحلي بفضيلة العلم والعرفان، ثم أشار بقوله: كَلَّا إلى أنه لم يشكر تلك النعمة الجليلة بل كفر وطغى إذ أغناه ربه وزاده جاها ومالا فردعه عنه وقبح حاله، ثم بيّن سبب كفرانه وطغيانه فقال: إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى ثم أكد الردع والزجر فقال: إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى على الالتفات للمبالغة في التحذير والتهديد من عاقبة الطغيان. وذهب أكثر