حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 641
عنقه. فجاءه ثم نكص على عقبيه فقيل له: ما لك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقا من نار وهولا وأجنحة. فنزلت. ولفظ العبد وتنكيره للمبالغة في تقبيح النهي والدلالة على كمال عبودية المنهي.
أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (12) أرأيت تكرير للأول وكذا الذي في قوله.
أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى (14) والشرطية مفعوله الثاني وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب الشرط الثاني الواقع موقع القسيم له. والمعنى:
أخبرني عمن ينهى بعض عباد اللّه عن صلاته إن كان ذلك الناهي على هدى فيما ينهى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المفسرين إلى أن أول ما نزل قد انتهى عند قوله تعالى: عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ثم نزل باقي السورة بعد زمان مديد في حق أبي جهل لعنه اللّه. ثم إنه عليه الصلاة والسّلام أمر بأن يوضع في هذا الموضع ويضم إلى آخر الآيات الخمس التي هي أول ما نزل من القرآن، لأن تأليف الآيات إنما كان بأمر اللّه تعالى. ألا ترى أن قوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة: 281] آخر ما نزل عند المفسرين ثم هو مضموم إلى ما نزل قبله بزمان طويل! وما ذكره صاحب الكشاف يؤيد هذا القول وهو قوله: روي أن أبا جهل قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:
أتزعم أن من استغنى طغى؟ فاجعل لنا جبال مكة ذهبا وفضة لعلنا نأخذ منها فنطغى فندع ديننا ونتبع دينك. فنزل جبريل عليه السّلام فقال: إن شئت فعلنا ذلك. ثم إن لم يؤمنوا فعلنا بهم ما فعلنا بأصحاب المائدة. فكف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الدعاء إبقاء عليهم وترحما. وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا: نعم.
قال: فبالذي نحلف به لأن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته. قال: فقيل له: ها هو ذاك ظهر. فانطلق ليطأ على رقبته فما فجأهم إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه فأتوه فقالوا:
ما لك يا أبا الحكم. قال: إن بيني وبينه لخندقا من نار. فنزل قوله: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إِذا صَلَّى قال عليه الصلاة والسّلام: «والذي نفسي بيده لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا فعضوا» . والهول الخوف. والأجنحة أجنحة الملائكة أبصر اللعين أجنحتهم ولم يبصر أصحابها. قوله: (ولفظ العبد وتنكيره للمبالغة في تقبيح النهي) فإنه لو قيل: «ينهاك» بضمير الخطاب يدل لفظ العبد لدل الكلام على تقبيح النهي إلا أن يراد لفظ العبد أبلغ في تقبيح النهي، لأن نهي العبد عن تعظيم مولاه أقبح من نهي فرد من أفراد الإنسان عنه. وتنكير لفظ العبد يدل على تعظيمه وكماله في العبودية فيكون نهيه عن تعظيم مولاه أبلغ من نهي عبد ما أي عبد كان، فكأنه قيل: ينهى أكمل الخلق في العبودية عن عبادة ربه. قوله: (والشرطية مفعوله الثاني) إن جعل «رأيت» من رؤية القلب المقتضية للمفعولين وجعل قوله: «الذي ينهى» مفعوله الأول وجعلت الشرطية الأولى مفعوله الثاني وهي قوله: إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى