حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 650
اللّه والسّلام على أوليائه فيسلمون على كل عبد قائم أو قاعد بذكر اللّه تعالى. وهذا غير ما ذكره مجاهد في بيان كونها خيرا من ألف شهر. إلا أن يقال: إنهم إنما ينزلون إلى الأرض رأفة ورحمة للمؤمنين والمؤمنات لا تبقى بقعة من الأرض إلا وعليها ملك ساجد أو قائم يدعو ويستغفر للمؤمنين والمؤمنات. وظاهر أن من يشفع له الملائكة بالدعاء والاستغفار ينال من الخير ما لا يناله بعبادته في ألف شهر، فيؤول إلى ما ذكره مجاهد. روي عنه عليه الصلاة والسّلام: «إنهم ينزلون يسلمون علينا ويستغفرون لنا، فمن أصابته التسليمة غفر له ذنبه» . وعن كعب: إن سدرة المنتهى فيها ملائكة لا يعلم عددهم إلا اللّه يعبدون اللّه ومقام جبريل في وسطها ليس فيها ملك إلا وقد أعطى الرأفة والرحمة للمؤمنين، ينزلون مع جبريل ليلة القدر فلا تبقى بقعة من الأرض إلا وعليها ملك ساجد أو قائم يدعو للمؤمنين والمؤمنات، وجبريل لا يدع أحدا من الناس ممن يقوم فيها إلا ويصافحه. وعلامة ذلك أن يقشعر جلده ويرق قلبه وتدمع عيناه فإن ذلك من علامة مصافحة جبريل عليه السّلام. فإن نظر الملائكة إلى الأرواح ونظر البشر إلى الأشباح، فكما أن البشر إذا رأوا صورة حسنة قبلوها ومالوا إليها فكذا الملائكة إذا رأوا في أرواح المؤمنين صورة حسنة وهي معرفة اللّه تعالى وطاعته أحبوهم ورغبوا في زيارتهم وتمنوا لقاءهم لكنهم كانوا ينتظرون الإذن كما قال اللّه تعالى عنهم: وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ [مريم: 64] وقال تعالى في هذه الآية: بِإِذْنِ رَبِّهِمْ فإنه يدل على أنهم استأذنوا أولا فأذنوا. وذكر في الروح أقوال: أحدها أنه ملك عظيم لو التقم السموات والأرض كانت كلها لقمة واحدة له. وفي التيسير: ينزل الروح في تلك الليلة وهو ملك من تحت العرش رجلاه في تخوم الأرض السابعة ورأسه تحت عرش الملك الجبار، وله ألف رأس كل رأس أعظم من الدنيا، وفي كل رأس ألف وجه، وفي كل وجه ألف فم، وفي كل فم ألف لسان يسبح اللّه تعالى بكل لسان ألف نوع من التسبيح والتحميد لكل لسان لغة لا تشبه الأخرى. فإذا فتح أفواهه بالتسبيح خرت ملائكة أهل السموات السبع سجدا مخافة أن يحرقهم نور أفواهه، وإنما يسبح اللّه غدوة وعشية فينزل تلك الليلة فيستغفر للصائمين والصائمات من أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بتلك الأفواه كلها إلى طلوع الفجر. وقيل: إنه طائفة من الملائكة لا تراهم الملائكة إلا ليلة القدر كالزهاد الذين لا نراهم إلا يوم العيد. وقيل: إنه خلق من خلق اللّه تعالى يأكلون ويلبسون ليسوا من الملائكة ولا من الإنس، ولعلهم خدم أهل الجنة. وقيل: يحتمل أنه هو عيسى عليه الصلاة السّلام لأنه نسمة، ثم إنه ينزل في موافقة الملائكة ليطالع أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم. وقيل: إنه القرآن لقوله تعالى:
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا [الشورى: 52] وقيل: إنه الرحمة لما قرئ وَلا تَيْأَسُوا