حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 658
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أي يوم القيامة، أو في الحال بملابستهم ما يوجب ذلك واشتراك الفريقين في جنس العذاب لا يوجب اشتراكهما في نوعه فلعله يختلف لتفاوت كفرهما. أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6) أي الخليقة. وقرأ نافع وابن ذكوان «البريئة» بالهمز على الأصل في الموضعين.
إِنَ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وكل واحد منهما أعم من الإسلام لأنه يستعمل في الحق والباطل والإسلام لا يستعمل إلا في الحق، ولما كان بينهما مغايرة اعتبارية جازت إضافة أحدهما إلى الآخر. وأيضا هو من قبيل إضافة العام إلى الخاص لأن الملة المستقيمة أخص من الدين لما مر من أن الدين يستعمل في الباطل أيضا والقيمة بمعنى المستقيمة، فإن قام الأمر بمعنى استقام يقال: قام الدليل على كذا إذا ظهر واستقام، وقوله تعالى: وَذلِكَ إشارة إلى ما أمروا به وهي الأعمال الصالحة التي معظمها إقام الصلاة وإيتاء الزكاة المقرونة بالإخلاص المستلزم للعلم والاعتقاد المطابق، فإن بعض أهل الأديان كاليهود والنصارى يتعبون أنفسهم في الطاعات من غير أن يحصلوا الاعتقاد المطابق، وبعضهم يحصلون الاعتقاد الحق ويهملون الأعمال وهم المرجئة الذين يقولون: لا تضر المعصية مع الإيمان. فهو تعالى خطأ كل واحد من الفريقين في هذه الآية وبيّن أنه لا بد من كل واحد من العلم والعمل فقال: وَما أُمِرُوا الخ ثم قال: وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ثم ذكر مآل كل واحد من أهل الكتاب والمشركين ثم بيّن مآل أهل الحق والتوحيد إلى آخر السورة.
قوله: (أو في الحال بملابستهم ما يوجب ذلك) فيكون من باب الإسناد المجازي حيث أسند إليهم كونهم في النار وليسوا فيها في الحال باعتبار كونهم فيما يوجبها. قوله: (واشتراك الفريقين في جنس العذاب الخ) جواب عما يقال: لا شك أن كفر المشركين أشد وأغلظ بالنسبة إلى كفر أهل الكتاب لأن المشركين ينكرون التوحيد والرسالة والكتاب والبعث وما يتفرع عليه، وأهل الكتاب يؤمنون بأكثرها وإذا كان كذلك فكيف يجوز تسويتهما في العذاب؟
والجواب أن الفريقين لما اشتركا في أعظم الجنايات وهو الكفر استحقوا أعظم العقوبات وهو الخلود في نار جهنم، واشتراكهما في جنس عذابها لا يستلزم اشتراكهما في جميع أنواعه.
قوله: (وقرأ نافع البريئة بالهمز) على الأصل لأنها فعيلة من برأ اللّه الخلق أي ابتدأه واخترعه. وقرأ الباقون بياء مشددة بدون همزة كالنبي والذرية، فإن أصلهما الهمزة والقراءة بالهمزة وإن كانت موافقة للقياس والأصل إلا أن القراءة بدون الهمزة أجود من حيث إن جمهور العرب قد استمروا على ترك الهمزة فيه وفي النبي والذرية فكانت القراءة بالهمزة كالشيء المرفوض المخالف للاستعمال وتوسيط ضمير الفصل في قوله: أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ لإفادة الحصر أي شر البرية هم دون غيرهم وكيف لا وهم شر من السراق لأنهم