حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 666
يكون القسم بالنفوس العادية أثر كمالهن الموريات بأفكارهن أنوار المعارف المغيرات على الهوى والعادات إذا ظهر لهن مبدأ أنوار القدس فأثرن به شوقا فوسطن به جمعا من جموع العليين.
إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) لكفور من كند النعمة كنودا، أو لعاص بلغة كناه، أو لبخيل بلغة بني مالك وهو جواب القسم.
وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ وإن الإنسان على كنوده. لَشَهِيدٌ (7) يشهد على نفسه لظهور أثره عليه، أو أن اللّه علم كنوده لشهيد فيكون وعيدا.
وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ المال من قوله تعالى: إِنْ تَرَكَ خَيْرًا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جميعا. فأخبر اللّه تعالى عنها بقوله: وَالْعادِياتِ ضَبْحًا إلى آخرها وبيّن بذلك سلامتهم وأنهم توسطوا في وقت الصبح جماعة الأعداء فأغاروهم وظفروا عليهم سالمين غانمين، وأن المنافقين كاذبون في أقوالهم إنهم قتلوا جميعا. فعلى هذا تكون السورة مدنية لأنه عليه الصلاة والسّلام لم يؤذن له في القتال وهو بمكة. وأيضا الظاهر حينئذ أن يكون تعريف العاديات للعهد ويكون المقسم به خيل تلك السرية، ويجوز أن يكون التعريف للجنس ويكون المقسم به كل خيل عدت في سبيل اللّه بالصفات المذكورة فإنها تستحق لأن يقسم بها لاتصافها بتلك الصفات الشريفة. قوله: (العادية أثر كمالهن) أي الساعية المسارعة في طريق الارتفاع إلى درجات الكمالات الروحانية وضبحهن ما طرأ عليهن أثر بعثهن بالسعي في مباشرة أسباب ذلك الارتقاء. قوله: (إذا ظهر لهن) ظرف لقوله: «المغيرات على الهوى» أي الماحيات للرسوم البشرية والعادات الطبيعية وقت أن طلع عليهم صبح العرفان وتجلى لهم أنوار القدس. قوله تعالى: (لِرَبِّهِ) متعلق «بكنود» وقدم عليه رعاية للفواصل أي أنه لكنود لنعمة ربه. قيل: أصل الكنود منع الحق والخير، والكنود الذي يمنع ما عليه، والأرض الكنود هي التي لا تنبت شيئا. روي عنه عليه الصلاة والسّلام أنه قال: «الكنود الكفور الذي يمنع رفده ويأكل وحده ويضرب عبده» . والمراد بالإنسان الجنس والمعنى: إن طبع الإنسان يحمله على ذلك إلا إذا عصمه اللّه تعالى من ذلك بلطفه ورحمته. وقيل: المراد به الكافر.
قوله: (لظهور أثره عليه) يعني ليس المراد بشهادة الإنسان على نفسه بالكنود الشهادة بلسان المقال بل المراد الشهادة بلسان الحال، فإن آثار الكنود تظهر عليه بحيث لا يمكنه أن يسلب ذلك عن نفسه فصار بذلك كأنه شهد بذلك على نفسه. ويجوز أن يكون ضمير «وإنه» للبارئ تعالى لكونه أقرب المذكورين فتكون الآية وعيدا وزجرا له عن المعصية من حيث إنه تعالى يحصي عليه أعماله، وعلى الأول يكون تأكيدا لكنوده وكفرانه. ويؤيد الأول رجوع ضمير قوله: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ إلى الإنسان أي وأن الإنسان من أجل حبه للمال لبخيل ممسك، أو أنه لقوي مطيق لحب المال مبالغ في إيثار الدنيا وطلبها وهو في حب اللّه