حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 674
علم الأمر اليقين أي كعلمكم ما تستيقنونه لشغلكم ذلك عن غيره، أو لفعلتم ما لا يوصف ولا يكتنه فحذف الجواب للتفخيم. ولا يجوز أن يكون قوله:
لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) جوابا له لأنه محقق الوقوع بل هو جواب قسم محذوف أكد به الوعيد وأوضح به ما أنذرهم منه بعد إبهامه تفخيما
ثُمَّ لَتَرَوُنَّها تكرير للتأكيد أو الأولى إذا رأتهم من مكان بعيد. والثانية إذا وردوها، أو المراد بالأولى المعرفة وبالثانية الإبصار.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(علم الأمر اليقين الخ) يعني أن «علم» منصوب بنزع الخافض وأن اليقين بمعنى الأمر المتيقن به، وصف الأمر المذكور بأنه اليقين للمبالغة في كونه متيقنا به. وقيل: «علم» منصوب على المصدرية والأصل: لو تعلمون علما يقينا فأضيف الموصوف إلى صفته كما في قوله تعالى:
وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ* ومسجد الجامع. وعلم اليقين إدراك الأمر على ما هو عليه، وعين اليقين مشاهدته كما هو، وحق اليقين الفناء في الحق والبقاء به علما وشهودا وحالا لا علما فقط. واتفقوا على أن جواب «لو» محذوف أي لو تعلمون ما بين أيديكم من الأمر كعلمكم ما تستيقنونه لشغلكم ذلك عن غيره لا التفاخر بكثرة العدد والأموال والأولاد لكنكم لا تعلمون ذلك فلذلك غفلتم عن الاستعداد والتهيؤ له بالطاعة، فحذف الجواب للتفخيم فإن الوهم حينئذ يذهب كل مذهب فيكون التهويل أعظم. كأنه قيل: لو علمتم علم اليقين لفعلتم ما لا يوصف ولا يكتنه ولكنكم ضلال وجهلة. قوله: (لأنه محقق الوقوع) فإن قوله:
لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ لو كان جوابا له لوجب أن لا يحصل لهم رؤية الجحيم وذلك باطل، وذلك لأن جواب «لو» إذا كان مثبتا يكون معنى الكلام انتفاءه لانتفاء الأول بناء على ما اشتهر من أن «لو» تفيد امتناع الثاني لامتناع الأول، وقوله تعالى: لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ مثبت فلو جعل جواب «لو» لكان المعنى: أنكم لا ترونها لكونكم جهالا وهو غير صحيح. ومما يدل على أن قوله تعالى: لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ لا يصح أن يكون جواب «لو» أن قوله تعالى:
ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ عطف على قوله: «لترون» وهو إخبار عن أمر كائن لا محالة، ولا يخفى أن عطف ما هو كائن لا محالة على ما لا يقع ولا يوجد قبيح في النظم، ولما لم يجز كونه جواب «لو» تعين كونه جواب قسم محذوف أو عدهم بذلك بعد توصيفهم بالجهل بما بين أيديهم من الأمر. فاللام في «لترون» لام جواب القسم والقسم لتأكيد الوعيد المدلول عليه بقوله: سوف تعلمون أيهم الوعيد أو لا؟ ثم فصله بقوله: واللّه لترون الجحيم لما في إيضاح الشيء بعد إبهامه من التفخيم والتعظيم. قوله: (تكرير للتأكيد) أي لتأكيد الوعيد بعد توكيده بالقسم، ونون التوكيد للدلالة على أن تلك الرؤية واقعة لا محالة شاؤوا أو أبوا. ويجوز أن لا يكون تكريرا للأولى بل تكون كل واحدة منهما لتأسيس رؤية غير الأخرى بأن يراد بالأولى رؤيتها من مكان بعيد، فإن الغاوين يرونها وهم في الموقف كما