الجهل بالراوي جهل بصفاته التي بها يصح روايته لكنا نقول لا بأس بالإرسال استدلالا بعمل الصحابة والمعنى المعقول أما عمل الصحابة; فإن أبا هريرة لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من أصبح جنبا فلا صوم له"فردت عائشة رضي الله عنها قال سمعته من الفضل بن عباس فدل ذلك على أنه كان معروفا عندهم ولما روى ابن عباس أن النبي عليه السلام قال:"لا ربا إلا في النسيئة"فعورض في ذلك بربا النقد قال سمعته من أسامة بن زيد, وقال البراء بن عازب رضي الله عنه ما كل ما نحدث سمعناه من رسول الله عليه السلام وإنما حدثنا عنه لكنا
ـــــــ
والعدالة الاجتهاد, وقد يكون الواحد عدلا عند إنسان مجروحا عند غيره بأن يقف منه على ما كان الآخر لا يقف عليه والمعتبر عدالته عند المروي له فلو قبلنا الرواية من غير كشف لكنا قبلناها تقليدا لا علما. وكيف يجعل رواية العدل تعديلا للمروي عنه وقد رووا حديثا وقديما عمن لم يحمدوا في الرواية أمره؟, قال الشعبي حدثني الحارث1 وكان والله كذابا, وروى شعبة وسفيان عن جابر الجعفي2 مع ظهور أمره في الكذب, وروى عنه أبو حنيفة رحمه الله قال: ما رأيت أحدا أكذب من جابر وروى الشافعي عن إبراهيم محمد بن يحيى الأسلمي وكان قدريا رافضيا ورضي بالكذب أيضا وروى مالك بن أنس رحمه الله عن عبد الكريم أبي أمية البصري, وهو ممن تكلموا فيه وروى أبو يوسف ومحمد عن الحسن بن عمارة وعبد الله بن المحرر3 وغيرهما من المجروحين وأرسل الزهري فقيل له: من حدثك؟ فقال: رجل على باب عبد الملك بن مروان, وإذا كان كذلك لا يمكن أن يجعل إرساله تعديلا للمروي عنه, بخلاف ما إذا قال حدثني فلان, وهو عدل; لأنه يمكن للمروي له أن يتأمل فيه فإن سكنت نفسه إلى قوله قبله, وإلا يتفحص عنه وبأن الناس تكلفوا لحفظ أسانيد في باب الأخبار فلو كانت الحجة تقوم بالمرسل لكان تكلفهم اشتغالا بما لا يفيد فيبعد أن يقال اجتمع الناس على ما لا يفيد.
وتمسك من قبله بالإجماع والدليل المعقول. أما الإجماع فمن وجهين أحدهما اتفاق الصحابة رضي الله عنهم على قبول المرسل; فإنهم اتفقوا على قبول روايات ابن عباس رضي الله عنهما مع أنه لم يسمع من النبي عليه السلام إلا أربعة أحاديث لصغر سنه كذا
ـــــــ
1 هو الحارث بن عبد الله الهمذاني الأعور، أنظر ميزان الإعتدال 1/435.
2 هو جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي الكوفي.ِ أحد علماء الشيعة.. أنظر ميزان الإعتدال 1/379-384.
3 هو عبد الله بن المحرر الجزري. أنظر ميزان 2/500.