فهرس الكتاب

الصفحة 1077 من 2201

ولم يحاج بعضهم في ذلك بحديث كان ذلك زيافة; لأن استعمال الرأي والإعراض عن النص غير سائغ وذلك مثل حديث الطلاق بالرجال والعدة بالنساء; لأن الصحابة اختلفوا ولم يرجعوا إليه وكذلك اختلفوا في زكاة الصبي

ـــــــ

الدين لم يتهموا بترك الاحتجاج بما هو حجة والاشتغال بما ليس بحجة مع أن عنايتهم بالحجج كانت أقوى من عناية غيرهم بها فترك المحاجاة والعمل به عند ظهور الاختلاف فيهم دليل ظاهر على أنه سهو ممن رواه بعدهم أو منسوخ ولكنهم يقولون: إنما يكون ذلك دليلا إذا بلغهم الخبر ثم لم يحاجوا به فلعلهم لم يحاجوا به لعدم بلوغه إياهم; فإنهم قد تفرقوا في البلاد بعد وفاة الرسول عليه السلام فيجوز أن من سمع الخبر لم يكن حاضرا عند اختلافهم ولم يبلغه اختلافهم ليروي لهم الخبر فلا يجوز أن يرد بمثله لحديث إذا ثبتت عدالة رواته"وذلك"أي الحديث المنقطع بهذا الطريق مثل حديث الطلاق بالرجال الذي تمسك به الشافعي رحمه الله في اعتبار عدد الطلاق بحال الرجل, وهو ما روى زيد بن ثابت رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"الطلاق بالرجال والعدة بالنساء"فإن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في هذه المسألة فذهب عمر وعثمان وزيد وعائشة رضي الله عنهم إلى أنه معتبر بحال الرجل في الرق والحرية كما هو قول الشافعي وذهب علي وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما إلى أنه معتبر بحال المرأة كما هو مذهبنا. وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه يعتبر بمن رق منهما حتى لا يملك الزوج عليها ثلاث تطليقات إلا إذا كانا حرين, ثم إنهم تكلموا في هذه المسألة بالرأي وأعرضوا عن الاحتجاج بهذا الحديث مع أن راويه وهو زيد فيهم فدل ذلك على أنه غير ثابت أو منسوخ.

"وكذلك اختلفوا في زكاة الصبي"أي في وجوب الزكاة عليه اختلافا ظاهرا, فذهب علي وابن عباس رضي الله عنهم إلى أنه لا زكاة في ماله كما هو مذهبنا وذهب عبد الله بن عمر وعائشة رضي الله عنهم إلى الوجوب كما هو مذهب الشافعي وذهب ابن مسعود رضي الله عنه إلى أن الوصي يعد السنين عليه ثم يخبره بعد البلوغ إن شاء أدى وإن شاء لم يؤد ولم تجز المحاجة بينهم بالحديث الذي رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ابتغوا في أموال اليتامى خيرا كي لا تأكلها الصدقة"وفي رواية كي لا تأكلها الزكاة وفي رواية"من ولي يتيما له مال فليتجر فيه ولا يتركه حتى تأكله الصدقة"1 ولو كان ثابتا لجرت المحاجاة به بعد تحقق الحاجة بظهور الخلاف كما تجري اليوم; لأنهم كانوا أولع بالنص منا ولو احتجوا به لاشتهر أكثر من شهرة الفتوى ولرجع

ـــــــ

1 أخرجه الترمذي في الزكاة، حديث رقم 641.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت