الخطابية وكذلك من قال بالإلهام: إنه حجة يجب أن لا تجوز شهادته أيضا, وأما في باب السنن; فإن المذهب المختار عندنا أن لا يقبل رواية من انتحل الهوى والبدعة ودعا الناس إليه على هذا أئمة الفقه والحديث كلهم; لأن المحاجة والدعوة إلى الهوى سبب داع إلى التقول فلا يؤتمن على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس كذلك الشهادة في حقوق الناس; لأن ذلك لا يدعو إلى
ـــــــ
متعلق بمحذوف يعني فلم يصلح تعمقه شبهة وتهمة فيكون صاحب الهوى مقبول الشهادة إلا الذي تدين بكذا,"وكذلك"أي وكمن تدين بتصديق المدعي"من قال بالإلهام"أي من اعتقد أن الإلهام حجة موجبة للعلم لا يقبل شهادته أيضا; لأن اعتقاده ذلك تمكن تهمة الكذب فربما أقدم على أداء الشهادة بهذا الطريق, والإلهام ما حرك القلب بعلم يدعوك إلى العمل به من غير استدلال بدليل ولا نظر في حجة.
قوله"فأما في باب السنن"إلى آخره هذا الذي ذكرنا حكم الشهادة فأما رواية هذا القسم, وهو الفاسق المتأول فمقبولة على الإطلاق عند بعض من قبل شهادتهم لما ذكرنا من انتفاء تهمة الكذب; فإن من احترز عن الكذب على غير الرسول كان أشد تحرزا من الكذب عليه; لأنه أعظم جناية فتقبل روايته كما تقبل شهادته وعند بعضهم تقبل إذا لم يكن داعيا للناس إلى هواه ولا يقبل إذا كان كذلك بخلاف الشهادة حيث يقبل على كل حال لما ذكر من الفرق في الكتاب, وهو مذهب عامة أهل الفقه والحديث; فإن الإمام الحافظ أبا عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري1 من أئمة الحديث ذكر في كتاب معرفة الإكليل أن روايات المبتدعة وأهل الأهواء مقبولة عند أكثر أهل الحديث إذا كانوا فيها صادقين فقد حدث محمد بن إسماعيل البخاري في الجامع الصحيح عن عباد بن يعقوب الرواجني, وكان الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة2 يقول: حدثنا الصدق في روايته المتهم في دينه عباد بن يعقوب3, وقد احتج البخاري أيضا في الصحيح بمحمد بن زياد الألهاني وجرير بن عثمان الرحبي, وقد اشتهر عنهما النصب واتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج بأبي معاوية محمد بن خازم وعبيد الله بن موسى وقد اشتهر عنهما الغلو
ـــــــ
1 هو المعروف بالحاكم النيسابوري، ولد سنة 404هـ. أنظر وفيات الأعيان 4/280-281.
2 هو الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح السلمي (223-311هـ، أنظر البداية والنهاية 11/149.
3 هو أبو سعيد عباد بن يعقوب الرواجني البخاري.