فهرس الكتاب

الصفحة 1092 من 2201

العقوبات بالآحاد, وهو اختيار الجصاص واختيار الكرخي أنه لا يجوز ذلك, وجه القول الأول أن خبر الواحد يفيد من العلم ما يصلح العمل به في إقامة الحدود كما في البينات في مجالس الحكم وكما يجوز إثباتها بدلالة النص, ووجه القول الآخر أن إثبات الحدود بالشبهات لا تجوز فإذا تمكن في الدليل شبهة لم يجز كما لم يجز بالقياس فأما البينة; فإنما صارت حجة بالنص الذي لا شبهة فيه قال الله تعالى: {فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} [النساء: 15] , ألا ترى

ـــــــ

قوله"فأما القسم الثاني"إلى آخره, ذهب جمهور العلماء إلى أن إثبات الحدود بأخبار الآحاد جائز, وهكذا نقل عن أبي يوسف رحمه الله في"الأمالي", وهو اختيار أبي بكر الجصاص وأكثر أصحابنا. وذهب أبو الحسن الكرخي إلى أنه لا يجوز وإليه مال المصنف وشمس الأئمة على ما يدل عليه سياق كلامهما, وهو مذهب أبي عبد الله البصري من المتكلمين تمسك الفريق الأول بأن الحدود شرع عملي من الشرائع فجاز إثباتها بخبر الواحد كسائر الشرائع وتحقق الشبهة في خبر الواحد غير مانع عن قبوله في هذا الباب كتحقق الشبهة في البينات لا يمنع من ذلك, وهو معنى قوله خبر الواحد يفيد من العلم ما يصح العمل به, ألا ترى أنها يثبت بدلالة النص; فإن الرجم في حق غير ماعز ثابت بالدلالة مع أن الدلالة دون الصريح; لأنها غير ثابتة بالنظم ولبقاء الاحتمال فيها حتى ترجح الصريح عليها فعرفنا أن مجرد الاحتمال غير معتبر في هذا الباب, واحتج الفريق الثاني بأن مبنى الحدود على الإسقاط بالشبهات بالنص وخبر الواحد فيه شبهة بالاتفاق فلا يجوز إثباتها به كما لا يجوز بالقياس فأما إثباتها بالبينات فجوز بالنص الموجب للعلم على خلاف القياس, وهو قوله تعالى: {فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} [النساء: 15] , وقد انعقد الإجماع على ذلك أيضا فكان ثبوتها مضافا إلى النص والإجماع فيجوز ومن رجح القول الأول قال خبر الواحد صار حجة بدلائل موجبة للعلم أيضا من إجماع الصحابة وسائر الدلائل التي مر تقريرها فكان مثل الشهادة من غير فرق فيثبت به الحدود, ألا ترى أن القصاص يثبت بخبر الواحد; فإن علماءنا تمسكوا في قتل المسلم بالذمي بخبر مرسل, وهو ما روي"أن النبي عليه السلام أقاد مسلما بكافر, وقال:"أنا أحق بمن وفى ذمته". وثبت قتل الجماعة بالواحد بأثر عمر رضي الله عنه, وهو دون خبر الواحد ولما ثبت القصاص به يثبت الحدود أيضا; لأنه لا فرق بينهما من حيث إن كل واحد يسقط بالشبهة."

فإن قيل: فعلى هذا ينبغي أن يثبت بالقياس أيضا; لأن وجوب العمل به ثابت بدلائل موجبة للعلم أيضا على ما يأتي بيانها إن شاء الله عز وجل, وقد اتفق أصحابنا أنها لا تثبت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت