أن أبا حنيفة رحمه الله لم يوجب الحد في اللواطة بالقياس ولا بالخبر الغريب من الآحاد.
وأما القسم الثالث فلا يثبت إلا بلفظ الشهادة والعدد عند الإمكان وقيام الأهلية بالولاية مع سائر شرائط الأخبار لما فيها من محض الإلزام وتوكيدا لها لما
ـــــــ
به قلنا: عدم الثبوت به باعتبار أن العقوبة إنما تجب مقدرة مكيفة بحسب كل جناية ولا مدخل للرأي في معرفة ذلك فامتنع إثباتها به بخلاف خبر الواحد; فإنه كلام صاحب الشرع وإليه إثبات كل حكم فيجب قبوله ثم استوضح القول الأخير وأكده بقوله: ألا ترى أن أبا حنيفة رحمه الله لم يوجب الحد في اللواطة بالقياس يعني على الزنا بجامع أن في كل واحد منهما قضاء الشهوة بسفح الماء في محل مشتهى محرم من كل وجه ولا بالخبر الغريب, وهو قوله عليه السلام"اقتلوا الفاعل والمفعول به"1 وقوله عليه السلام"ارجموا الأعلى والأسفل"2 وأجابوا عنه بأنه إنما لم يعمل بهذا الحديث; لأن الصحابة رضي الله عنهم تركوا الاحتجاج به مع اختلافهم في حكم اللواطة فدل على زيافته.
قوله:"وأما القسم الثالث"وهو الذي فيه إلزام محض من حقوق العباد عند الإمكان متصل بقوله والعدد, وهو احتراز عما لا يطلع عليه الرجال مثل البكارة والولادة والعيوب التي بالنساء في مواضع لا يطلع عليها الرجال; فإن شهادة النساء فيها مقبولة من غير اشتراط عدد وإن اشترط لفظ الشهادة.
"وقيام الأهلية بالولاية"يعني يكون أهلا للشهادة بأن يكون له ولاية على نفسه ليتعدى إلى غيره وذلك بالعقل والبلوغ والحرية مع سائر شرائط الأخبار من العدالة والضبط, لما فيها أي في هذه الحقوق من محض الإلزام متعلق بقوله وقيام الأهلية بالولاية ودليل عليه.
قوله:"وتوكيدا لها"عطف عليه من حيث المعنى أي ولتوكيدها كقوله تعالى: {لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} [النحل: 8] , وهو دليل على اشتراط لفظ الشهادة والعدد وبيانه أن هذه الحقوق لما كانت من قبيل الإلزامات لا بد من أن يكون الخبر المثبت لهذه الحقوق ملزما ولا شك أن الإلزام من باب الولاية إذ الولاية تنفذ القول على الغير شاء الغير أو أبى والإلزام بهذه المثابة فإذا لا بد من أن يكون المخبر من أهل الولاية ليصلح خبره للإلزام
ـــــــ
1 أخرجه الترمذي في الحدود حديث رقم 1456، وأبو داود في الحدود حديث رقم 4462، وابن ماجه في الحدود رقم 2561.
2 أخرجه ابن ماجه في الحدود حديث رقم 2562.