يتصل الحديث بقوله حدثنا أو أخبرنا وسموه عنعنة; لأن هذا يوهم شبهة الإرسال وحقيقته ليس بجرح على ما مر فشبهته أولى ومن ذلك طعنهم بالتلبيس
ـــــــ
والثاني تدليس الشيوخ وهو أن يروي عن شيخ حديثا سمعه منه فيسميه أو يكتبه أو ينسبه أو يصفه بما لا يعرف به كي لا يعرف, ثم قال فالقسم الأول مكروه جدا ذمه أكثر العلماء حتى قال بعضهم التدليس أخو الكذب, وعن شعبة أنه قال لأن أزني أحب إلي من أن أدلس وهذا من شعبة إفراط محمول على المبالغة في الزجر عنه, والقسم الثاني أمره أخف وفيه تضييع للمروي عنه وتوعير لطريق معرفته على من يطلب الوقوف على حاله ويختلف الحال في كراهة ذلك بحسب الغرض الحامل عليه فقد يحمله على ذلك كون شيخه الذي غير سمته غير ثقة أو كونه متأخر الوفاة قد شاركه في السماع منه جماعة دونه أو كونه أصغر سنا منه أو كون الراوي كثير الرواية عنه فلا يجب الإكثار من ذكر شخص واحد على صورة واحدة. قال واختلف في قبول رواية من عرف بالنوع الأول من التدليس فجعله فريق من أهل الحديث والفقهاء مجروحا بذلك وقالوا لا يقبل روايته بين السماع أو لم يبين, والصحيح التفصيل وأن ما رواه المدلس بلفظ محتمل لم يبين فيه السماع والاتصال حكمه حكم المرسل وأنواعه وما رواه بلفظ مبين للاتصال نحو سمعت وحدثنا وأخبرنا وأشباهها فهو صحيح قال وفي الصحيحين وغيرهما من الكتب من هذا الضرب كثير جدا كقتادة والأعمش وسفيان وغيرهم وهذا لأن التدليس ليس كذبا وإنما هو ضرب من الإبهام بلفظ محتمل فلا ينسب الفسق به فيقبل ما بين فيه الاتصال ورفع عنه الإبهام, وذكر غيره أن من عرف بالتدليس وغلب عليه ذلك إن لم يخبر باسم من يروي عنه إذا استكشف يسقط الاحتجاج بحديثه; لأن التدليس منه تزوير وإيهام لما لا حقيقة له وذلك يؤثر في صدقه وإن أخبر باسمه إذا استكشف وأضاف الحديث إلى ناقله لا يسقط الاحتجاج بحديثه ولا يوجب قدحا فيه, وقد كان سفيان بن عيينة يدلس فإذا سئل عمن حدثه بالخبر نص على اسمه ولم يكتمه وهذا شيء مشهور عنه وهو غير قادح, قال علي بن خشرم كنا في مجلس سفيان بن عيينة فقال. قال الزهري فقيل له حدثكم الزهري فقال لا لم أسمعه من الزهري ولا ممن سمعه من الزهري حدثني عبد الرزاق عن معمر عن الزهري, هذا بيان التدليس ومذهب أصحاب الحديث فيه وتبين بهذا أن التدليس بترك اسم المروي عنه لا يصلح للجرح عندنا; لأن عدالة الراوي تقتضي أنه ما ترك ذكره إلا لأنه عدل ثقة عنده لما ذكرنا في المرسل ويجري ذلك مجرى تعديله صريحا والصحابة كانوا يروون أحاديث ويتركون أسامي رواتها كما ذكرنا في المرسل فلو كان ذلك يوجب سقوط الخبر لما استجازوا ذلك.