يلحقه البيان بالسنة, وذلك مثل قول الرجل لامرأته أنت بائن إذا قال عنيت به الطلاق صح وكذلك في سائر الكنايات ولفلان علي ألف درهم وفي البلد نقود مختلفة فإن بيانه بيان تفسير, ويصح هذا موصولا ومفصولا هذا مذهب واضح لأصحابنا حتى جعلوا البيان في الكنايات كلها مقبولا وإن فصل قال الله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 19] وثم للتراخي وهذا لأن الخطاب بالمجمل
ـــــــ
بقوله صلى الله عليه وسلم {هاتوا ربع عشر أموالكم} وبالكتاب أمر بكتابته لعمرو بن حزم وغير ذلك, والنصاب في السرقة بقوله عليه السلام"لا قطع فيما دون ثمن المجن1 أو"لا قطع في أقل من عشرة دراهم". ومحل القطع بقطعه يد سارق رداء صفوان من الزند"والربا بقوله عليه السلام"الحنطة بالحنطة مثل بمثل"الحديث, وذلك أي مثاله من المسائل الفقهية قول الرجل لامرأته أنت بائن أو أنت علي حرام أو غير ذلك من الكنايات, ثم قال عنيت به الطلاق فإنه يكون بيان تفسير فإن البينونة أو الحرمة مشتركة محتملة للمعاني فإذا قال عنيت بهذا الكلام الطلاق فقد رفع الإبهام فكان بيان تفسير, ثم بعد التفسير يجب العمل بأصل الكلام فتقع البينونة والحرمة, وكذا إذا قال لفلان علي درهم وفي البلد نقود مختلفة كان مشكلا لدخول الألف المقر به في إشكاله فإذا قال عنيت به نقد كذا زال الإشكال وصار هذا الكلام تفسيرا له.
قوله"ويصح هذا"أي بيان التفسير موصولا ومفصولا لا يجوز تأخير بيان التفسير عن وقت الحاجة إلى الفعل إلا عند من يجوز تكليف المحال. وأما تأخيره إلى وقت الحاجة إلى الفعل فجائز عند عامة الفقهاء خلافا للجبائي وابنه أبي هاشم وعبد الجبار ومتابعيهم والظاهرية والحنابلة وإليه ذهب بعض أصحاب الشافعي كأبي إسحاق المروزي2 وأبي بكر الصيرفي والقاضي أبي حامد ذكر السمعاني والغزالي أن طائفة من أصحاب أبي حنيفة رحمهم الله ذهبوا إليه فكان الشيخ يرد هذا القول بقوله هذا مذهب واضح لأصحابنا أي صحة بيان ما فيه خفاء متصلا ومنفصلا مذهب ظاهر لأصحابنا بحيث لا يمكن إنكاره فإن الرجل إذا أقر أن لفلان عليه شيئا, ثم بينه متصلا أو منفصلا يقبل قوله في قولهم جميعا. وكذا لو قال لامرأته أنت بائن يجوز له أن يبين متصلا ومنفصلا مع أنه تكلم بكلام مجمل فثبت أنه هو المذهب وأن قول أولئك الطائفة من أصحابنا إن ثبت
ـــــــ
1 أخرجه مسلم في الحدود حديث رقم 1684 ، وأبو داود في الحدود حديث رقم 4383.
2 هو أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن إسحاق الفقيه الشافعي. توفي سنة 340هـ وفيات الأعيان 1/26 - 27.