ومن ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] فإنما الوضوء غسل ومسح وهما لفظان خاصان
ـــــــ
مجملا التحق فعل النبي عليه السلام بيانا به; لأنه يبين إجماله دون خبر التثليث; لأن اللفظ لا يحتمله.
وأما وجوب إعادة طواف الجنب والعريان والطواف المنكوس فليس لعدم الجواز بل لتمكن النقصان الفاحش فيه كوجوب إعادة الصلاة التي أديت مع الكراهة; ولهذا ينجبر بالدم إذا رجع من غير إعادة انجبار نقصان الصلاة بالسجدة.
قوله:"ومن ذلك"أي ومن الخاص الذي تقدم ذكره والفاء في فإنما إشارة إلى تعليل كون مفهوم الآية من هذا الباب, وهما لفظان خاصان لمعنى معلوم أي كل واحد منهما لمعنى كما في قول المتنبي:
حشاي على جمر ذكي من الهوى ... وعيناي في روض من الحسن ترتع
أي كل واحدة والمعنى المعلوم الإسالة للغسل والإصابة للمسح, فلا يكون شرط النية كما قاله الشافعي, في ذلك أي في الوضوء بقوله عليه السلام:"الأعمال بالنيات"1, أو بالقياس على التيمم; لأن اشتراطها في البدل يدل على اشتراطها في الأصل; لأن البدل لا يخالف الأصل في الشروط, عملا بالكتاب; لأنه ساكت, ولا بيانا; لأنه بين, والواو في"وهو"للحال, والنية عنده أن يقصد بقلبه عند غسل الوجه إزالة الحدث أو استباحة الصلاة أو فرض الوضوء حتى لو توضأ للتبرد أو للتعليم أو نوى غير مقارن لغسل الوجه لا يعتد بذلك الوضوء عنده, بل إضراب عن مفهوم الكلام. على الوصف الذي ذكرنا أي إلحاق الفرع بالأصل وذلك بأن يجعل واجبا أو سنة على حسب اقتضاء الدليل لا فرضا كما قاله الخصم, ولا يلزم على ما ذكرنا اشتراط النية في التيمم مع أنه خاص; لأن ذلك ثبت بإشارة النص إذ التيمم القصد, وبطل شرط الولاء, وهو أن يتابع في الأفعال, ولا يفرق والذي يقطع التتابع جفاف العضو مع اعتدال الهواء; وإنما شرطه مالك وابن أبي ليلى2 والشافعي في قوله القديم بفعل النبي عليه السلام واظب على الموالاة قالوا فلو جاز تركه لفعله مرة تعليما للجواز, قال ابن أبي ليلى: إن اشتغل بطلب الماء أجزأه; لأن ذلك
ـــــــ
1 أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارقطني في الأشباه والنظائر ص 38 - 39.
2 هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى يسار الأنصاري الكوفي الفقيه المجتهد الفرضي القاري المحدث توفي سنة 148 هـ.