نبي. والثالث واضح والنسخ فيه قبل الانتهاء باطل; لأن النسخ في هذا كله بداء وظهور الغلط لا بيان المدة والله يتعالى عن ذلك
ـــــــ
الدوام ولأنه لا خفاء أن قوله صوموا أبدا مثلا لا يربوا في الدلالة على تعيين الوقت والتنصيص على قوله صم غدا فكما جاز نسخ هذا قبل الغد لما سنبين جاز نسخ الآخر أيضا وتمسك الفريق الثاني بأن نسخ الخطاب المقيد بالتأبيد أو التوقيت يؤدي إلى التناقض والبداء; لأن معنى التأبيد أنه دائم والنسخ يقطع الدوام فيكون دائما غير دائم وصاحب الشرع منزه عن ذلك فلا يجوز القول بنسخه كما لو قيل الصوم دائم مستمر أبدا يوضحه أن التأبيد بمنزلة التنصيص على كل وقت من أوقات الزمان بخصوصه والنسخ لا يجري فيه بالاتفاق فكذا فيما نحن فيه والدليل عليه أن التأبيد يفيد الدوام والاستمرار قطعا في الخبر كما في تأبيد أهل الجنة والنار حتى إن من قال بجواز فناء الجنة والنار وأهلهما وحمل قوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [النساء: 57 - 122 - 169] و [المائدة 119] و [التوبة 22و100] و[الأحزاب: 65"و"التغابن: 9"و"الجن: 23"والبينة: 8"على المبالغة ينسب إلى الزيغ والضلال فكذا في الأحكام إذ لا فرق في دلالة اللفظ على الدوام لغة في الصورتين وقولهم: لا يمتنع أن يكون المخاطب مريدا لبعض الأزمان دون البعض كما في الألفاظ العامة غير صحيح; لأن ذلك إنما يصح إذا اتصل قرينة بالكلام نطقية أو غير نطقية دالة على المراد من غير تأخر عنه, فإذا خلا الكلام عن مثل هذه القرينة كان دالا على معناه الحقيقي قطعا لما مر فكان ورود النسخ عليه من باب البداء ضرورة فلا يجوز. وليس هذا كجريان النسخ في اللفظ المتناول للأعيان فإن النسخ فيه لا يؤدي إلى أنه أريد به البعض بقرينة متأخرة بل الحكم ثبت في حق الكل ثم انقطع في حق البعض بالناسخ فكان هذا البعض بمنزلة ما لو ثبت الحكم في حقه بنص خاص ثم انقطع بناسخ فإن قيل قد يجوز تخصيص اللفظ العام متأخرا وليس ذلك إلا بيان أنه أريد به البعض بقرينة متأخرة قلنا: ذلك ليس بتخصيص عندنا بل هو نسخ على ما بينا فأما من جعله تخصيصا فقد بنى ذلك على أن موجب العام ظني عنده وأن التخصيص بيان مقرر فيجوز متأخرا وقد تقدم الكلام فيه والفريق الأول لم يسلموا لزوم البداء والتناقض; لأن الأمر المقيد بالتأبيد مثل قوله: صم رمضان أبدا يوجب أن يكون جميع الرمضانات في المستقبل متعلق الوجوب ولا يلزم من تعلق الوجوب بالجميع استمرار الوجوب مع الجميع فإذا لا يلزم من صم رمضان أبدا الإخبار بكون الصوم مؤبدا مستمرا حتى يلزم من نفي الاستمرار بالنسخ التناقض والبداء كما لو كان الوقت معينا بأن قال: صم رمضان هذه السنة ثم نسخه قبل مجيئه إذ لا منافاة بين إيجاب صوم رمضان وانقطاع التكليف عنه قبله بالنسخ