على الخمس فكان ذلك بعد العقد; لأنه صلى الله عليه وسلم أصل هذه الأمة فصح النسخ بعد وجود عقده ولم يكن ثمة تمكن من الفعل ولأن النسخ صحيح بالإجماع بعد
ـــــــ
أصلا ومن أقر به منهم ومن غيرهم يقولون لم يرو في حديث المعراج ذكر نسخ خمسين صلاة بخمس صلوات وذلك شيء زاده القصاص فيه كما زادوا غيره والدليل عليه أنه لا بد فيه من التمكن من الاعتقاد وكان الأمر بخمسين صلاة على ما زعمتم للأمة لا للنبي عليه السلام خاصة ولم يوجد التمكن من الاعتقاد للأمة; لأنه لا يتصور قبل العلم ولئن سلمنا أنه ثابت فهو مخالف للدليل العقلي الذي بينا ومن شرط قبول الخبر أن لا يخالف الدليل العقلي ولئن سلمنا أنه ليس بمخالف له فلا نسلم أن ذلك كان فرضا بطريق العزم بل فوض ذلك إلى رأي رسوله ومشيئته, فإذا اختار الخمس تقرر الفرض قلنا الحديث ثابت مشهور تلقته الأمة بالقبول وهو في معنى التواتر فلا وجه إلى إنكاره وأهل النقل وناقدوا الحديث كما رووا أصل المعراج رووا فرض خمسين صلاة ونسخها بخمس وذلك مذكور في الصحيحين وغيرهما من كتب الأحاديث فوجب قبوله كما وجب قبول أصل المعراج ولم يجز القول بكونه من زيادات القصاص قال عبد القاهر البغدادي وليس إنكار القدرية المعراج إلا كإنكارهم خبر الرؤية والقدر وأخبار الشفاعة وعذاب القبر والحوض والميزان والخبر صحيح لا يرد بطعن مخالفة من أهل الأهواء كما لم يرد خبر المسح على الخفين بطعن الروافض والخوارج فيه وكما لم يرد خبر الرجم بإنكار الخوارج الرجم وهو ليس بمخالف للدليل العقلي على ما نبينه. وقولهم لم يوجد التمكن من الاعتقاد في حق الأمة فاسد; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأصل لهذه الأمة وقد وجد منه عقد القلب على ذلك قال أبو اليسر رحمه الله ظهر في الانتهاء أن المبتلى بالقبول والاعتقاد كان النبي صلى الله عليه وسلم دون أمته, وإنه كان مبتلى بالقبول في حق نفسه وفي حق أمته فإنه عليه السلام يجوز أن يبتلى بأمته كما يبتلى بنفسه لتوفر شفقته على أمته كشفقة الأب على الولد والأب يبتلى بالولد كما يبتلى بنفسه وقولهم لم يكن ذلك فرضا عزما كلام فاسد; لأنه ثبت في الحديث أنه سأل التخفيف على أمته غير مرة وكان موسى عليهما السلام يحثه على ذلك وما زال يسأل ذلك ويجيبه ربه إليه حتى انتهى لخمس فقيل له لو سألت التخفيف أيضا فقال أنا أستحي فتبين أن ذلك لم يكن مفوضا إلى اختياره بل كان نسخا على وجه التخفيف بسؤاله بعد الفرضية
وقد تمسك عامة الأصوليين بقصة إبراهيم عليه السلام فإن الأمر بذبح الولد قد نسخ قبل التمكن من الفعل بطريق التحويل إلى الشاة كنسخ التوجه من بيت المقدس إلى الكعبة وقد مر الكلام فيه
قوله"ولأن النسخ"بيان للدليل المعقول وتقريره أن النسخ جائز بالإجماع بعد