سلف من الكتب غير محرف إلا أن ينزل وحي بخلافه فثبت أن هذا هو الأصل إلا أن التحريف من أهل الكتاب كان ظاهرا وكذلك الحسد والعداوة والتلبيس كثير منهم ووقعت الشبهة في نقلهم فشرطنا في هذا أن يقص الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم من غير إنكار احتياطا في باب الدين وهو المختار عندنا من الأقوال بهذا الشرط الذي ذكرنا قال الله تبارك وتعالى: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} وقال"قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا"فعلى هذا الأصل يجري هذا, وقد احتج محمد رحمه الله في تصحيح المهايأة والقسمة بقول الله تعالى: {وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ} .[القمر:
ـــــــ
بحكم التوراة ونصه بقوله:"أنا أحق بإحياء سنة أماتوها1"على وجوب الرجم على أهل الكتاب وعلى أن ذلك صار شريعة له إلا أنه زيد في شرائط الإحصان لإيجاب الرجم الإسلام ولمثل هذه الزيادة حكم النسخ عندنا فببيان هذا أي ما قلنا من الموافقة والألفة الشرط المذكور هو الأصل. وقوله إلا أن التحريف أي التغيير استثناء من القول الثالث أو من قوله هذا هو الأصل بمعنى لكن وبيان للمختار من الأقوال بهذا الشرط الذي ذكرنا وهو أن يقص الله تعالى أو رسوله من غير إنكار قوله قال الله تعالى: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} أي اتبعوها واحفظوها وقال تعالى: {قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} يتصلان بقوله فصار الأصل الموافقة والألفة فثبت بهذين النصين أن هذه الشريعة ملة إبراهيم وقد امتنع ثبوتها ملة له للحال لما ذكرنا في القول الثاني فثبت أنها ملته على معنى أنها كانت له فبقيت حقا كذلك وصارت لرسول الله محمد عليه السلام كالمال الموروث مضافا إلى الوارث للحال وهو عين ما كان للميت لا ملك آخر لكن الإضافة إلى المالك ينتهي بالموت إلى الوارث فكذلك الشريعة في حق الأنبياء عليهم السلام كذا في التقويم ثم بين الشيخ بقوله وقد احتج محمد أن ما اختاره هو مذهب أصحابنا, فإنه احتج في تصحيح المهايأة والقسمة بقوله تعالى في قصة صالح {وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ} وقوله: {لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} ومعلوم أنه ما احتج به إلا بعد اعتقاده بقاء ذلك الحكم شريعة لنبينا عليه السلام, فإنه يبين أحكام شريعة محمد صلى الله عليه وسلم لا شرائع من قبله ثم قيل: إن المهايأة في المنفعة والقسمة في العين, وإن قوله ونبئهم دليل جواز القسمة وقوله عز وجل إخبارا {لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} دليل على جواز
ـــــــ
1 أخرجه مسلم مطولا من حديث البراء حديث رقم 1700، وأبو داود في الحدود حديث رقم 4447، وابن ماجة حديث رقم 2558، والإمام أحمد في المسند 4/286.