مذهبه وعلى هذا الأصل يخرج أيضا أنهم إذا اختلفوا عن أصحاب النبي عليه السلام كان إجماعا على أن ما خرج من أقوالهم فباطل وكل عصر مثل ذلك
ـــــــ
تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ} [التوبو: 100] بالواو وهو كان يقرأ بغير واو فقال من أقرأك فقال أبي فدعاه فقال أقرأنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنك لتبتع القرط بالبقيع فقال صدقت, وإن شئت قلت شهدنا وغبتم ونصرنا وخذلتم وآوينا وطردتم, وإذا كان كذلك كيف يستقيم أن يقال: إنه امتنع عن إظهار قوله وحجته مهابة له فثبت أنه غير صحيح ولئن صح هذا القول منه فتأويله إبلاء العذر أي إظهاره في الامتناع عن مناظرته يعني لما عرف فضل رأي عمر رضي الله عنهما وفقهه منعه ذلك من الاستقصاء في المحاجة معه كما يكون من حال الشبان مع ذوي الأسنان في كل عصر, فإنهم يهابون الكبار فلا يستقصون في المحاجة معهم حسب ما يفعلون مع الأقران بعد ثباته على مذهبه أي بعد ثبات عمر على مذهبه يعني لما علم أنه ثابت على مذهبه ولا يرجع عنه لقوله ترك مناظرته لعدم الفائدة أو بعد ثبات ابن عباس على مذهبه يعني لما كان هو ثابتا على مذهبه لا يضره الامتناع عن مناظرة من فوقه في الدرجة احتشاما له.
قوله"وعلى هذا الأصل"وهو أن السكوت يدل على الوفاق وينعقد به الإجماع يخرج المسألة المذكورة وهي أن الصحابة ومن بعدهم إذا اختلفوا في حادثة على قولين أو أقاويل محصورة كان ذلك إجماعا منهم على أنه لا قول في هذه الحادثة سوى هذه الأقوال, وأن ما خرج منها باطل فلا يجوز إحداث قول آخر وهو مذهب الجمهور, وإنما فسر قوله: إنهم إذا اختلفوا بقوله أعني أصحاب النبي وعطف قوله وكل عصر مثل ذلك أيضا عليه; لأن في اختلاف الصحابة لا خلاف بين أصحابنا أنه إجماع وفي اختلاف من بعدهم اختلاف كما ذكرنا في آخر الباب
وزعم بعض من أنكر الإجماع السكوتي من أهل الظاهر وبعض المتكلمين أن هذا سكوت أيضا يعني اختلافهم على الأقوال المذكورة في المسألة سكوت عما وراءها وهو محتمل في نفسه فلا يدل على نفي قول آخر كما لا يدل على نفي الخلاف في المسألة الأولى إذ المحتمل ليس بحجة بل اختلافهم دليل على تسويغ الاجتهاد في الحادثة والمصير إلى ما أدى إليه الاجتهاد فيها فجاز إحداث قول آخر فيها كما لو لم يستقر الخلاف من غير تعيين أي لا يعين سكوتهم أن ما ذكروا من الأقوال هو الثابت لا غير; لأن نفي الغير نوع تعيين لها, والتعين لا يثبت بالمحتمل.
وفصل بعض الأصوليين فقال إن كان القول الحادث رافعا لما اتفقوا عليه يكون مردودا أي اختلاف الصحابة في الجد مع الأخ على قولين استحقاق كل المال والمقاسمة.