على طريق الاعتبار, وهو كما ذكرنا من الأمثلة ما بينها وبين هذه الجملة افتراق وحصل بما قلنا إثبات الأحكام بظواهرها تصديقا وإثبات معانيها طمأنينة وشرحا للصدور وثبت به تعميم أحكام النصوص وفي ذلك تعظيم حدودها. ولزمنا بهذا
ـــــــ
وهو كما ذكرنا أي هذا الاعتبار مثل الاعتبار الذي ذكرنا من الأمثلة أي في الأمثلة أو هذا المثال الذي في صحة الاعتبار مثل الأمثلة المذكورة وهي المثلات والاستعارات ليس بين تلك الأمثلة وبين هذه الجملة التي ذكرناها فرق; فإن التأمل في إشارات نصوص المثلاث لتعرف المعاني الداعية إلى وقوعها لأجل الاعتبار والتأمل في حقائق اللغة لاستعارتها لغيرها, مثل التأمل في إشارات حديث الربا وأمثاله لتعرف المعاني الداعية إلى الحكم لأجل الاعتبار من غير تفاوت.
قوله"وحصل بما قلنا"لما فرغ من إقامة الدليل على صحة القياس أشار إلى الجواب عن كلمات الخصوم فقال: حصل بما قلنا من جواز القياس اعتقاد حقية ثبوت الأحكام المنصوصة بظواهر النصوص أي بنفسها ونظمها. وطمأنينة القلب وشرح الصدر بإثبات معانيها; فإن القلب يطمئن بالوقوف على المعنى الذي هو متعلق الحكم وإن حصل له اليقين قبله, ألا ترى أن إبراهيم صلوات الله عليه طلب اطمئنان القلب بقوله {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} [البقرة: 260] بعدما قد حصل اليقين له حتى قال: {بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260] ، وطمأنينة القلب عبارة عن ثباته على ما اعتقده من الحق وسكونه إليه وشرح الصدر عبارة عن توسيعه وتفسيحه لقبول الحق والشرح يضاف إلى الصدر; لأنه فناء القلب والتوسع يضاف إلى الفناء يقال فلان رحب الفناء قال شمس الأئمة رحمه الله إن الله تعالى جعل هذه الشريعة نورا وشرحا للصدر فقال: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} [الزمر: 22] , وقال: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ} [الأنعام: 125] والقلب يرى الغائب بالتأمل فيه كالعين ترى الحاضر بالنظر, ثم لا إشكال أن برؤية العين يحصل من الطمأنينة فوق ما يحصل بالخبر إذ ليس الخبر كالمعاينة, ونعلم أن من ضل الطريق إذا أخبره مخبر بالطريق واعتقد الصدق في خبره يحصل له بعض الانشراح وإنما يتم انشراحه إذا عاين أعلام الطريق فكذلك في رؤية القلب; فإنه إذا تأمل في معنى النصوص حتى وقعت عليه يتم به انشراح الصدر ويحصل طمأنينة القلب وذلك بالنور الذي جعله الله في قلب كل مسلم فالمنع من هذا التأمل والأمر بالوقوف على مواضع النص من غير طلب المعنى يكون نوع حجر ورفعا لتحقيق معنى انشراح الصدر وطمأنينة القلب الثابت بقوله تعالى: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83] ، فإن قيل: كيف يستقيم هذا والقياس لا يوجب العلم