عليه السلام واجب مع قيام الاختصاص في بعض الأمور; لأن الاقتداء بالنبي عليه السلام إنما صار واجبا لكونه رسولا وإماما وهذا لا شبهة فيه فلم يسقط العمل بما دخل من الاحتمال في نفس العمل. فأما هنا فإن النص نوعان معلول وغير معلول فيصير الاحتمال واقعا في نفس الحجة, ولأن الشرع ابتلانا بالموقف مرة وبالاستنباط أخرى كل ذلك أصل فلما اعتدلا لم يستقم الاكتفاء بأحد الأصلين,
ـــــــ
المفقود لما كانت ثابتة بطريق الاستصحاب نجعل حجة لدفع الاستحقاق حتى لا يورث ماله, ولا يصلح سببا للاستحقاق حتى لو مات قريبه لا يرثه المفقود لاحتمال الموت وكذلك مجهول الحال إذا شهد لا يرد شهادته باحتمال كونه عبدا; إذ الأصل في بني آدم هو الحرية. ولكن لو طعن الخصم في حريته لم يصر حجة عليه باعتبار الأصل لاحتمال زواله بعارض, ولا يبطل حرمة في نفسه أيضا بهذا الاحتمال فكذلك هذا, فإذا قام الدليل على كون الأصل شاهدا لم يبق الاحتمال فصار حجة.
قوله:"ولا يلزم"جواب عن سؤال يرد على هذا الأصل, وتقديره أن الاقتداء بالرسول في أفعاله أصل بقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي} [آل عمران: 31] كما أن التعليل في النصوص أصل بالدلائل الموجبة للقياس, وقد ثبت اختصاص النبي عليه السلام ببعض الأفعال مثل إباحة صوم الوصال, وحل التسع وإباحة النكاح بغير مهر, وأخذ الصفي من الغنيمة وغيرها كما ثبت عدم التعليل في بعض النصوص ثم جاز العمل بذلك الأصل من غير اشتراط قيام دليل على عدم الاختصاص حتى جاز الاقتداء به في أفعاله, وصح الإلزام به على الغير ما لم يقم الدليل المانع فينبغي أن يجوز العمل بالأصل ها هنا أيضا من غير اشتراط قيام دليل على كون هذا النص المعين معللا ما لم يمنع عنه مانع فقال الاقتداء بالنبي عليه السلام إنما وجب لكونه رسولا وإماما صادقا بقوله تعالى: {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158] وليس في كونه رسولا وإماما شبهة فوجب علينا الاقتداء به لوجود العلة الموجبة له قطعا ولم يسقط العمل به بالاحتمال الداخل في نفس العمل دون العلة الموجبة وهو احتمال الاختصاص كما لا يسقط العمل بالعام باحتمال الخصوص لما كان أصله موجبا ما لم يقم دليل التخصيص. فأما فيما نحن فيه فالاحتمال في نفس الحجة للوجهين المذكورين في الكتاب فلم يكن بد من قيام الدليل على أنه معلول للحال ليصح العمل به بمنزلة المجمل لما كان الاحتمال في نفسه لم يصح العمل به ما لم يقم دليل يبين المراد منه ومن لم يعتبر هذا الشرط من أصحابنا متمسكا بإجماع الصحابة على ما بينا وبأن أحدا من العلماء لم يشغل بإقامة الدليل على كون الأصل معللا