الشارع فشهادته بالعدم دليل قاطع على عدمه إذا لا يجري عليه السهو ولا يوصف بالعجز فأما البشر فإن صفة العجز يلازمهم, والسهو يعتريهم ومن ادعى أنه يعرف كل شيء نسب إلى السفه أو العته فلم يناظر ومن شرع في العمل بلا دليل اضطر إلى التقليد الذي هو باطل والله أعلم بالصواب.
ـــــــ
لم يكن في يد العدو لأن قهر الماء يمنع قهر آخر على ذلك الموضع فكان القياس نافيا وجوب الخمس فيه ولم يرد أثر بخلاف القياس يعمل به ويترك به القياس فوجب العمل بالقياس فكان ما ذكره إشارة إلى العمل بالقياس لا احتجاجا بلا دليل ثم أقام الشيخ دليلا آخر وأجاب عن تمسك الفريق الأول بالنص فقال: ولأن الناس يتفاوتون في العلم بالأدلة ومعرفة الحجج تفاوتا لا سبيل إلى إنكاره; لأنه شبه المحسوس لمن يرجع إلى أحوال فإن بعضهم يقف على ما لا يقف عليه البعض وإليه أشار الله عز وجل في قوله: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف: 73] فمع هذا التفاوت واحتمال قصور النافي عن غيره في درك الدليل لا يكون تمسكه بلا دليل حجة على الغير; ولهذا أي ولأن فساد الاحتجاج بلا دليل لاحتمال القصور عن الغير في درك الأدلة صح هذا النوع أي الاحتجاج بلا دليل من صاحب الشرع; لأن علمه محيط بالأدلة الشرعية لأنه هو الشارع للأحكام والواضع للدلائل فكانت شهادته بالعدم دليلا قاطعا على العدم ومن شرع في العمل أي احتج بلا دليل وفتح بابه اضطر إلى التقليد الذي هو باطل لأنه يحتج به لعدم المعرفة بالموجب لا لحصول المعرفة بالنفي عن سبب ولما لم يحصل معرفته بالنفي عن صورة ولا عن نظر واستدلال لما بينا كانت حاصلة بالتقليد, أو ليس بعد الاستدلال شيء سوى التقليد ويجوز أن يكون معناه ومن شرع أي جوز العمل بلا دليل. اضطر إلى التقليد أي إلى القول بجواز التقليد; لأنه من أقسام العمل بلا دليل, والتقليد باطل لأنه اتباع الرجل غيره على ما يسمعه ويراه بفعله على تقدير أنه محق بلا نظر واستدلال وتأمل وتمييز بين كونه حقا أو باطلا على احتمال كونه حقا وباطلا كذا في التقويم ولا شك أنه بهذا التفسير باطل, وليس بحجة لأنه فعل غيره وقوله محتمل للصواب والخطأ والمحتمل لا يصلح دليلا وحجة ولهذا رد الله تعالى على الكفرة احتجاجهم باتباع الآباء بنفس الرؤية والسماع من غير نظر واستدلال وليس اتباع الأمة صاحب الوحي ولا رجوع العامي إلى قول المفتي ولا القاضي إلى قول العدول من هذا القبيل; لأن التمييز بين النبي وغيره لا يقع إلا بالاستدلال وقيام المعجزة فوجب تصديقه. وكذا وجب قبول الإجماع بقول الرسول ووجب قبول المفتي والشاهدين بالنص والإجماع فلم يكن هذا تقليدا; لأن شرطه عدم الحجة وقد قامت الحجة.
وتبين بما ذكرنا أن تمسكهم بأن لا دليل على المدعى عليه; لأنه ناف, وإنما الدليل