فهرس الكتاب

الصفحة 1637 من 2201

والصبر مع العقل فسقط حكم القياس بمعارضة الاستحسان لعدمه في التقدير. مثال ذلك أن سؤر سباع الطير في القياس نجس; لأنه سؤر ما هو سبع مطلق فكان كسؤر سباع البهائم, وهذا معنى ظاهر الأثر; لأنهما سواء في حرمة الأكل, وفي الاستحسان هو ظاهر; لأن السبع ليس بنجس العين بدليل جواز الانتفاع به شرعا وقد ثبت نجاسته ضرورة تحريم لحمه فأثبتنا حكما بين الحكمين, وهو النجاسة

ـــــــ

قوله:"مثال ذلك"أي مثال تقدم الاستحسان الذي قوي أثره على القياس الذي ضعف أثره, وهذا في الحقيقة مثال القسم الأول من القياس والقسم الأول من الاستحسان. أن سؤر سباع الطير كالصقر والبازي والشاهين في القياس نجس; لأن السؤر معتبر باللحم, ولحم هذه الطيور حرام كلحم سباع البهائم, وكان سؤرها نجسا, وفي الاستحسان هو طاهر مكروه; لأن السبع كذا. اعلم أن مشايخنا عللوا في نجاسة سؤر سباع البهائم بأن لعابها متولد من اللحم, ولحمها نجس فيكون السؤر نجسا أيضا. ويرد عليه أن اللحم إن كان نجسا لذاته باعتبار الحرمة ينبغي أن لا يجوز بيع السبع, ولا الانتفاع به, ولا يطهر جلده بالدباغ كالخنزير, وإن كان نجسا بالمجاور, وكانت عينه طاهرة كالجلد ينبغي أن لا يتنجس السؤر; لأن النجاسة المجاورة لا تؤثر في نجاسة السؤر كما في سؤر الشاة والآدمي فسلك الشيخ طريقة يندفع عنه هذا السؤال. فقال السبع ليس بنجس العين لدليل جواز الانتفاع به يعني من غير ضرورة إذ لو كان نجس العين حرم الانتفاع به من غير ضرورة كما حرم بالخنزير وسائر الأنجاس لقوله تعالى: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر:5] {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} [الحج: 30] {رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} [المائدة: 90] وهذا يقتضي أن يكون السبع طاهرا كالشاة والآدمي.

وقد ثبت نجاسته أي نجاسة السبع باعتبار حرمة لحمه فإن مثل هذه الحرمة تدل على النجاسة فإن الحرمة إما أن تثبت لعدم صلاحية الغذاء كالذباب والتراب إذ الأكل أبيح للغذاء فيصير بدونه عبثا. أو للخبث طبعا كالضفدع والسلحفاة. أو للاحترام كالآدمي أو للنجاسة; لأنه تعالى حرم كل نجس بنفسه أو بمجاور كالخمر والخنزير والطعام النجس, ولا احترام للسباع, وهي صالحة للغذاء, ولم تستخبثها الطباع فإنها كانت مأكولة قبل التحريم فثبت أن حرمتها للنجاسة. فإن قيل: لم تثبت الحرمة للنجاسة بل لفساد طبع فإنها حيوانات ناهبة ويتعدى إلى الآكلين فحرمها الشرع صيانة عن ذلك. قلنا هذه مصلحة وحكمة مطلوبة في العاقبة, والمصالح والحكم أدلة على صحة الأسباب, ولا تكون علة بأنفسها; لأنها لا تنال بغالب الرأي والقياس قول بغالب الرأي فتثبت النجاسة لتكون الحرمة مبنية على سبب ظاهر دون الحكمة, وإن كانت معتبرة في حق المشروعية على أن ما ذكرت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت