فهرس الكتاب

الصفحة 1658 من 2201

صحيح بلا تأمل فلذلك وجب القول بأن بعضها أحق ووجه قولنا: إن الحق واحد أن المجتهد يصيب مرة ويخطئ أخرى قال الله تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الانبياء: 79] , وإذا اختص سليمان صلوات الله

ـــــــ

القول به ضرورة أن لا يصيروا مكلفين بما ليس في وسعهم, وهذه الضرورة ترتفع بإثبات نفس الحقية لفتواهم فيبقى الواحد أحق بناء على أصل الشريعة الثابتة بالوحي قوله تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} دخل رجلان على داود وعنده ابنه سليمان عليهما السلام أحدهما صاحب حرث, وقيل كان كرما قد تدلت عناقيده والآخر صاحب غنم فقال صاحب الحرث إن هذا انفلتت غنمه فوقعت في حرثي فلم تبق منه شيئا فقال لك رقاب الغنم, وقد كانت قيمتاهما مستويتين فقال سليمان عليه السلام غير هذا أوفق للفريقين ينطلق أهل الحرث بالغنم فيصيبون من ألبانها, ومنافعها ويقوم أصحاب الغنم على الكرم حتى إذا كانت كليلة نفشت فيه دفع هؤلاء إلى هؤلاء غنمهم, وهؤلاء إلى هؤلاء كرمهم فقال داود عليه السلام القضاء ما قضيت فأخذ الله عز وجل عن ذلك بقوله: {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ} [الانبياء: 78] أي واذكرهما {إِذْ} بدل اشتمال منهما: {إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ} [الانبياء: 78] النفش أن ينتشر الغنم بالليل ترعى بلا راع من حد دخل وضرب جميعا: {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} [الانبياء: 78] لم يفت عنا من أمرهم شيء وجمع الضمير; لأنه أرادهما والمتحاكمين إليهما أو أريد به التثنية. {ففهمناها} الهاء ضمير الحكومة المدلول عليها بقوله: {إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ} {وَكُلًّا} أي وكل واحد منهما: {آتَيْنَا حُكْمًا} فصلا بين الخصوم, {وَعِلْمًا} بأمور الدين. ووجه التمسك به أن هذا الحكم كان بالاجتهاد إذ لو كان بالوحي لما جاز لسليمان خلافه, ولما جاز لداود الرجوع إلى قوله ثم إنه تعالى خص سليمان بالفهم في القضية, ومن عليه, وكمال المنة في إصابة الحق حقيقة فلو كانا مصيبين لم يكن لتخصيص سليمان بالفهم فائدة; لأن داود قد فهم من الحكم الصواب على ذلك التقدير ما فهم سليمان عليهما السلام. ولا يقال كان ما قضى به داود جائزا, وما قضى به سليمان أفضل فلذلك اختصه بالفهم; لأنا نقول لو كان ذلك من داود ترك الأفضل لما وسع سليمان الاعتراض عليه; لأن الافتيات على رأي من هو أكبر منه إذا كان صحيحا في نفسه غير مستحسن خصوصا على الأب النبي كذا قيل. واعترض الغزالي على التمسك بهذه الآية فقال كيف يصح أنهما حكما بالاجتهاد, ومن العلماء من يمنع اجتهاد الأنبياء عقلا, ومنهم من منع سمعا, ومنهم من أجازوا حال الخطأ عليهم فكيف ينسب الخطأ إلى داود عليه السلام, ومن أين يعلم أنه قال ما قال عن اجتهاد. والآية على نقيض مذهبكم أدل; لأنه قال: {وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} , والخطأ يكون ظلما وجهلا لا حكما وعلما, ومن قضى بخلاف حكم الله تعالى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت