ألا ترى أن المنفرد والمقتدي لا يجهر بالتكبير, ومن صلى وحده أذن لنفسه وهذا معنى قول مشايخنا في الدفع أنه لا يفارق الأصل لكن
ـــــــ
بكسر الهمزة أي هي إخبار وتنبيه لمن خلف الإمام بانتقاله إلى ركن آخر وللناس بدخول الوقت, ولهذا سمي أذانا فذلك المعنى الزائد أوجب في هذه الأذكار حكما عارضا على الأصل وهو الجهر; لأنها لا تصلح إعلاما إلا بصفة الجهر. فببيان الغرض المطلوب بالتعليل, وهو التسوية بين هذا الذكر وسائر الأذكار اندفع النقض ويمكن أن يجعل هذا من قبيل الدفع بالحكم بأن يقال هذا المعنى, وهو كونه ذكرا يوجب الإخفاء في صور النقض إلا أنه امتنع لمانع أقوى وهو ما ذكرنا; لأن وجود علة لا يمنع وجود علة أخرى يوجب الحكم على خلاف الأولى, وكان الإخفاء فيها ثابتا تقديرا ولهذا لو جهر المقتدي أو المنفرد فقد أساء, وكذا لو جهر الإمام فوق حاجة الناس إلى العلم فقد أساء لزوال المعنى الموجب للجهر فيما وراء موضع الإعلام.
فإن قيل سلمنا أن الأصل في كل ذكر هو الإخفاء إلا أنه قد قام في التأمين معنى آخر يوجب الجهر, وهو إعلام القوم أيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم علق تأمين القوم بتأمين الإمام في قوله:"إذا أمن الإمام فأمنوا"1 أو لم يكن تأمين الإمام مسموعا لما صح تعليق تأمين القوم به. ويؤيده ما روى أبو وائل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر بالتأمين وما روي عن عطاء أنه قال أدركت مائتين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكانوا إذا أمنوا سمع لتأمينهم ضجة في المسجد قلنا قد حصل الإعلام ببيان الموضع حيث قال في حديث آخر:"وإذا قال الإمام: {وَلا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] فقولوا آمين"2 فلا حاجة إلى الإعلام بالجهر فيبقى على الأصل, وهو الإخفاء ألا ترى إلى قوله عليه السلام في هذا الحديث فإن الإمام يقولها, ولو كان تأمينه مسموعا لاستغني عن هذا الكلام, وقد اختلف أخبار في فعل النبي عليه السلام فيحمل الجهر على التعليم أو على ابتداء الأمر على أن إبراهيم النخعي رد حديث أبي وائل فقال أشهد أبو وائل وغاب عبد الله, وأبو وائل من الأعراب وما روي عن عطاء معارض بما روي عن عمر وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم بخلافه فإن مذهبهم في التأمين الإخفاء, وأكثر ما في الباب أن يكون بين الصحابة اختلاف فيدل اختلافهم على اختلاف الأخبار فيصار إلى الترجيح بما ذكرنا إليه أشير في الأسرار. قوله:"وهذا"أي
ـــــــ
1 أخرجه مسلم في الصلاة حديث رقم 410 وأبو داود في الصلاة حديث رقم 936 والترمذي في الصلاة حديث رقم 250 وابن ماجه برقم 851 والإمام أحمد في المسند 2/459.
2 أخرجه مسلم في الصلاة حديث رقم 410 وأبو داود في الصلاة حديث رقم 935.