فأوجب الخصوص على احتمال العموم ألا ترى أن نية الثلاث صحيحة, وهو عدد لا محالة, فكذلك المثنى ألا ترى إلى قول الأقرع بن حابس في السؤال عن الحج ألعامنا هذا أو للأبد ووجه القول الثالث الاستدلال بالنصوص الواردة من الكتاب والسنة مثل قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الاسراء: 78] {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا } [المائدة: 6] أو احتج من ادعى التكرار بحديث الأقرع بن حابس1 حين قال في الحج ألعامنا هذا يا رسول الله أم للأبد فقال
ـــــــ
يقتض التكرار لغة لما أشكل عليه ولم يبق لسؤاله معنى كما لو قال حجوا مرة واحدة ولما أشكل عليه علم أن المرة ليست بمقتضاه فيلزم أن يكون مقتضاه التكرار ضرورة اتفاقنا على أن مقتضاه أحدهما, ولا يعارض بأنه لو كان موجبه التكرار لما أشكل عليه أيضا كما لو قال حجوا كل عام; لأنه قد عرف أن موجب الأمر التكرار ولكنه قد علم من قواعد الدين أن الحرج فيه منفي, وفي حمله على موجبه حرج عظيم فأشكل عليه; فلذلك سأل ألا ترى أن النبي عليه السلام لما عرف وجه إشكاله كيف أشار في قوله:"ولو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم", إلى انتفاء التكرار لضرورة لزوم الحرج, وإلا كان موجبه التكرار.
والثاني ما ذكر في التقويم وإليه أشار المصنف أن الأمر لو لم يحتمل الوجهين لما أشكل عليه; لأن موجب اللفظ إذا كان واحدا لا يشتبه على السامع إذا كان من أهل اللسان, ولما احتملهما والتكرار من المرة يجري مجرى العموم من الخصوص وجب القول بالعموم حتى يقوم دليل الخصوص.
قوله:"ولنا أن لفظ الأمر أي سلمنا أن صيغة الأمر اختصرت لمعناها من طلب الفعل"ولكن لفظ الفعل الذي دلت عليه الصيغة فرد سواء قدرته معرفا كما قال الفريق الأول أو منكرا كما قال الفريق الثاني, وإليه أشار بقوله تطليقا أو التطليق وبين الفرد والعدد تناف; لأن الفرد ما لا ثلث فيه والعدد ما تركب من الأفراد والتركب وعدمه متنافيان فكما لا يحتمل العدد معنى الفرد مع أن الفرد موجود في العدد, فكذلك لا يحتمل الفرد معنى العدد مع أنه ليس بموجود فيه أصلا فثبت أنه لا دلالة لهذا اللفظ على عدد من الأفعال كالضرب لا يدل على خمس ضربات أو عشر ضربات ولا يحتمل ذلك بل دلالته على مطلق الضرب الذي هو معنى واحد.
وقوله مثل قول الرجل متصل بمجموع قوله لفظ الأمر صيغة اختصرت إلى قوله
ـــــــ
1 أخرجه أبو داود في الحج حديث رقم 1721 وابن ماجه في المناسك حديث رقم 3866 والإمام أحمد في المسند 1/255 و372 والنسائي في الحج 5/111.