الحكم ابتداء مثل البيع للملك والنكاح للحل والقتل للقصاص وما أشبه ذلك لكن علل الشرع غير موجبة بذواتها وإنما الموجب للأحكام هو الله عز وجل لكن إيجابه لما كان غيبا نسب الوجوب إلى العلل فصارت موجبة في حق العباد وبجعل صاحب الشرع إياها كذلك وفي حق صاحب الشرع هي أعلام خالصة. وهذا كأفعال العباد من الطاعات ليس بموجبة للثواب بذواتها بل الله تعالى
ـــــــ
تخلف قال وبهذين الحرفين يفارق السبب; لأن العلة والسبب يتناوبان في الأبناء والملاءمة والمناسبة بينهما وبين الحكم غير أن السبب قد يتأخر عنه حكمه وقد يتخلف ولا يتصور التأخر والتخلف في العلة. وعن الشيخ أبي منصور رحمه الله أن العلة هي المعنى الذي إذا وجد يجب الحكم به معه واحترز بقوله معه عن قول بعض القدرية إن العلة هي الأمر الذي إذا وجد وجد الحكم عقيبه بلا فصل وقد بينا أن ثبوت الحكم بالعلة عندنا بطريق المقارنة لا بطريق التأخر ولهذا جعلنا الاستطاعة مقارنة للفعل لا سابقة عليه قال صاحب الميزان: هذا التعريف هو الصحيح فإن العلة ما يجب به الحكم فإن وجوب الحكم وثبوته بإيجاب الله تعالى, لكنه أوجب الحكم لأجل هذا المعنى وبسبب هذا المعنى ويجوز أن يقال: يجب به; لأن الله تعالى قد يفعل فعلا بسبب ويفعل فعلا ابتداء ويثبت حكما بسبب وحكما ابتداء بلا سبب وحكمة وفعله قط لا يخلو عن الحكمة عرفنا وجه الحكمة أو لم نعرف.
قوله:"لكن علل الشرع غير موجبة بذواتها"استدراك من قوله عما يضاف إليه وجوب الحكم يعني الأحكام وإن أضيف إلى العلل في الشرع, لكن العلل الشرعية غير موجبة بأنفسها فإن هذه العلل كانت موجودة قبل ورود الشرع ولم يكن بموجبة لهذه الأحكام بخلاف العلل العقلية فإنها موجبة بأنفسها فإن المراد من كون العلة موجبة بنفسها عدم تصور انفكاك الحكم عنها لا أنها موجبة له حقيقة إذ المتوالدات بخلق الله تعالى والعلل العقلية بهذه المثابة فإن الكسر لا يتصور بدون الانكسار والحركة بدون التحرك والإحراق بدون الاحتراق. وإنما الموجب للأحكام هو الله تعالى إذ له ولاية الإيجاب وهو قادر على أن يشرع الأحكام بلا علل, ولكن إيجابه لما كان غيبا عن العباد وهم عاجزون عن دركها شرع العلل التي يمكن لهم الوقوف عليها موجبات للأحكام في حق العمل ونسب الوجوب إليها فيما بين العباد تيسيرا فصارت العلل موجبة في الظاهر بجعل الله تعالى إياها كذلك أي موجبة لا بأنفسها وفي حق صاحب. الشرع هذه العلل إعلام خالصة أي في حقه هي الإعلام للعباد على الإيجاب لا أنها إعلام في حقه وهي نظير الإماتة فإن المميت والمحيي هو الله تعالى حقيقة, ثم جعلت الإماتة مضافة إلى القاتل بعلة القتل فيما يبتني عليه من