فهرس الكتاب

الصفحة 1873 من 2201

بفضله جعلها كذلك فصارت النسبة إليها بفضله وكذلك العقاب يضاف إلى

ـــــــ

الأحكام في حق العباد من القصاص وحرمان الميراث والكفارة والدية وهذا أي ما ذكرنا أنها غير موجبة بذواتها بل بجعل الله تعالى إياها موجبة مثل أفعال العباد من الطاعات فإنها ليست بموجبة الثواب بذواتها; لأن العبد لا يستحق على مولاه بعمله له ثوابا قط وقد ينفك الأفعال عن الثواب أيضا كما قال عليه السلام:"رب قائم ليس له من قيامه إلا السهر ورب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش"1 إلا أن الله تعالى بفضله جعل هذه الأفعال كذلك أي موجبة للثواب بقوله: {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17] {وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 85] .

فصارت النسبة أي نسبة الثواب إلى الأفعال بفضله ورحمته وإليه يشير قوله جل ذكره: {جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا} [النبأ:36] والعطاء ما كان من المعطي ابتداء بطريق الإنعام والإحسان ويؤيده قوله عليه السلام:"ينشر يوم القيامة ثلاثة دواوين ديوان النعم وديوان الأعمال أي الطاعات وديوان المعاصي فيقابل ديوان النعم بديوان الأعمال فيبقى ديوان المعاصي فيدخله الله الجنة بفضله"وكذلك العقوبات تضاف إلى الكفر من هذا الوجه أي وكما أن الثواب يضاف إلى الطاعات تضاف العقوبات إلى الكفر من الوجه الذي ذكرنا وهو أن الكفر ليس بموجب للعقوبات بذاته بل الله تعالى جعله سببا للعقوبات كما جعل الطاعات كذلك قال الشيخ الإمام مولانا حميد الملة والدين رحمه الله: هذا الكلام ينزع إلى مذهب فإن عنده يجوز العفو عن الكفر والشرك عقلا إلا أن السمع ورد أنه لا يفعل ذلك فأما عند أهل السنة فالحكمة تقتضي تعذيب الكافر على كفره وترك التعذيب ليس بحكمة كذا ذكر الشيخ أبو منصور رحمه الله في التأويلات فكان الكفر سببا للعقوبة بذاته فلا يستقيم هذا الكلام على أصل أهل السنة ويمكن أن يجاب عنه بأن الكفر وإن كان سببا للعقوبة بنفسه عقلا إلا أنه ليس بسبب بذاته للعقوبات التي ورد النصوص بها وإنما جعل سببا لتلك العقوبات بالشرع ولهذا جاز التخفيف في حق بعض الكفار والتغليظ في حق البعض فكان مثل الطاعات من هذا الوجه. وكانت اللام في قوله العقوبات للعهد أي العقوبات المذكورة في النصوص فأما أن يجعل الأفعال لغوا كما قالت الجبرية فإنهم لم يعتبروا أفعال العباد أصلا ونفوا عنها تدبير الخلق وجعلوها كلها اضطرارية كحركات المرتعش والعروق النابضة وجعلوا إضافة الأفعال إلى العبادة مجازا فقالوا: مشى زيد وذهب عمرو بمنزلة طال الغلام ومات زيد وابيض شعر بكر وشاخ عبد الله وإذا كان كذلك لا يكون أفعال العباد سببا للثواب ولا للعقاب بوجه بل الله تعالى يعذب

ـــــــ

1 أخرجه ابن ماجه في الصيام حديث رقم 1690 والإمام أحمد في المسند 1/431.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت