الصيغة إذ فيه جمع بين المعنيين من وجه فكان أولى من إلغاء أحدهما بالكلية, وما ذكرنا مؤيد بالنص والعرف أما النص فقوله تعالى: {لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ} [الأحزاب: 52] ولم يكن الحظر متعلقا بالجمع بل كان حرم عليه صلى الله عليه وسلم الفرد فصاعدا وقوله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ} [النحل: 8] أريد به الجنس لا الجمع.
وأما العرف فإنه يقال فلان يحب النساء وفلان يخالط الناس; وإنما يراد به الجنس فلهذا جعلنا مجازا عن الجنس فهذا معنى قوله فرد دلالة, قال شمس الإسلام الأوزجندي1, فإذا بطل معنى الجمع يتناول الأدنى بحقيقته أي بحقيقة الفردية مع احتمال الكل بحقيقته, ولا يلزم على ما ذكرنا قولها خالعني على ما في يدي من الدراهم وليس في يدها شيء حيث يلزمها ثلاثة دراهم لا درهم واحد ولا قوله لا أكلمه الأيام أو الشهور حيث يقع على العشرة عند أبي حنيفة وعلى الجمعة والسنة عندهما لا على اليوم الواحد والشهر الواحد.
لأنا نقول إنما يجعل اللام في الجمع للجنس إذا لم يمكن صرفها إلى معهود حتى لو أمكن تصرف إليه كما في قولك كنت اليوم مع التجار ولقيت الفقهاء تريد قوما بأعيانهم قد جرت عادتك بلقائهم وقد أمكن ههنا; لأن قولها ما في يدي عام يتناول الدراهم وغيرها ومن الدراهم بيان له فوجب صرف اللام إليه. وكذا أيام الجمعة وشهور السنة معهودة بين الناس فيجب صرف اللام إليها عندهما, فأما أبو حنيفة رحمه الله فقد جعل الاسم معهودا على الثلاثة فصاعدا إلى العشرة فصرف اللام إلى أكثر هذا المعهود احتياطا كذا ذكر الشيخ في شرح الجامع.
إذا عرفنا هذا جئنا إلى بيان المسائل فنقول: إذا قال والله لا أشرب ماء أو الماء أو لا آكل طعاما أو الطعام أنه يقع على الأدنى; لأنه هو المتيقن به, وهو الكل لولا غيره فيكون فيه معنى الجنسية أيضا; فإن نوى الكل صحت نيته فيما بينه وبين الله تعالى حتى لا يحنث أصلا; لأنه نوى محتمل كلامه; لأنه فرد من حيث إنه اسم جنس لكنه عدد من وجه فلن يتناوله الفرد إلا بالنية كذا في شرح الجامع للمصنف, وهذا يشير إلى أنه لا يصدق قضاء إن كان اليمين بطلاق أو نحوه; لأنه خلاف الظاهر إذ الإنسان إنما يمنع نفسه باليمين عما يقدر عليه وشرب كل المياه ليس في وسعه وفيه تخفيف عليه أيضا, وكذا إذا حلف لا يتزوج النساء أو لا يكلم العبيد أو لا يشتري الثياب يقع على الأدنى على احتمال
ـــــــ
1 هو محمود بن عبد العزيز الأوزجندي الملقب بشمس الأئمة انظر الفوائد البهية ص 209.