كلها ويصح عباراته كلها بالطلاق والعتاق والبيع والشري والأقارير وإنما ينعدم بالسكر القصد دون العبارة حتى إن السكران إذا تكلم بكلمة الكفر لم تبن منه امرأته استحسانا وإذا أسلم يجب أن يصح إسلامه كإسلام المكره وإذا أقره
ـــــــ
به والصحيح أنه كما لا يجب عليه الحد لا ينفذ تصرفه وإنما ينعدم بالسكر القصد أي القصد الصحيح وهو العزم على الشيء; لأن ذلك ينشأ عن نور العقل وقد احتجب ذلك عنه بالسكر دون العبارة; لأنها توجد حسا وصحتها تبتنى على أهل العقل حتى إن السكران إذا تكلم بكلمة الكفر لم تبن منه امرأته استحسانا وفي القياس وهو قول أبي يوسف على ما ذكر في شرح التأويلات تبين منه امرأته; لأنه مخاطب كالصاحي في اعتبار أقواله وأفعاله وجه الاستحسان أن الردة تبتنى على القصد والاعتقاد ونحن نعلم أن السكران غير معتقد لما يقول بدليل أنه لا يذكره بعد الصحو وما كان عن عقد القلب لا ينسى خصوصا المذاهب فإنها تختار عن فكر ورؤية وعما هو الأحق من الأمور عنده وإذا كان كذلك كان هذا عمل اللسان دون القلب فلا يكون اللسان معبرا عما في الضمير فجعل كأنه لم ينطق به حكما كما لو جرى على لسان الصاحي كلمة الكفر خطأ كيف ولا ينجو سكران من التكلم بكلمة الكفر عادة وهذا بخلاف ما إذا تكلم بالكفر هازلا; لأنه بنفسه استخفاف بالدين وهو كفر وقد صدر عن قصد صحيح فيعتبر. وتمسك بعضهم بما روي أن واحدا من كبار الصحابة سكر حين كان الشراب حلالا فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم هل أنتم إلا عبيدي وعبيد آبائي ولم يجعل ذلك منه كفرا وقرأ سكران سورة: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون:1] في صلاة المغرب وترك اللاءات فنزل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ} 1 [النساء: 43] ولم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم بكفره ولا بالتفريق بينه وبين امرأته ولا بتجديد الإيمان فدل أن بالتكلم بكلمة الكفر في حال السكر لا يحكم بالردة كما لا يحكم بها في حالة الخطأ والجنون فلا تبين منه امرأته.
ولقائل أن يقول هذا التمسك غير مستقيم هاهنا أن كلامنا في السكر المحظور وكان ذلك السكر مباحا; لأن الشرب كان حلالا فصيرورته عذرا في عدم اعتبار الردة لا يدل على صيرورته المحظور عذرا فيه. وإذا أسلم الكافر في حال السكر يجب أن يصح إسلامه بوجود أحد الركنين ترجيحا لجانب الإسلام كما في المكره ولا يقال ينبغي أن لا يصح إيمانه أن دليل الرجوع وهو السكر يقارنه فيمنعه من الثبوت لأنا نقول إنه لا يقبل الرجوع; لأن الرجوع ردة فلا يؤثر فيه دليل الرجوع ولو أثبتنا الردة فالسكر مانع من صحتها فلا
ـــــــ
1 أخرجه الترمذي في التفسير حديث رقم 3026 وأبو داود في الأشربة حديث رقم 3671.