{فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 173] وإن كان التحريم في الأصل يثبت مقيدا بالاستثناء كان الاستثناء خارجة عن التحريم فيبقى على الإباحة المطلقة كالذي لا يضطر إلى ذلك لجوع أو عطش يرى أن رفق التحريم يعود إلى المتناول من خبث في المأكول والمشروب قال الله تعالى: {وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 91] . وقال تعالى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157] فإذا أدى ذلك إلى فوت الكل كان فوت البعض أولى من فوت الكل على مثال قولنا لنقطعن يدك أنت أو لنقتلنك نحن فإذا سقطت الحرمة أصلا كان الممتنع من تناوله وهو مكره مضيعا لدمه فصار آثما وهذا إذا تم الإكراه فأما إذا قصر لم يحل له التناول لعدم الضرورة إلا
ـــــــ
إباحة إذا الكلام صار عبارة عما وراء المستثنى وقد كان مباحا قبل التحريم فبقي على ما كان في حالة الضرورة. وقال تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} نفى الإثم الذي هو نتيجة الحرمة عن المضطر فيدل على انتفاء الحرمة كالذي يضطر إلى ذلك أي إلى الأكل أو الشرب لجوع أو عطش الأصل فيه أن ما يباح تناوله حالة المخمصة يباح حالة الإكراه إذا كان ملجئا وما لا فلا ومعنى الضرورة في المخمصة أنه لو امتنع عن التناول يخاف تلف النفس أو العضو فمتى أكره بالقتل أو بقطع العضو على الأكل أو الشرب فقد تحققت الضرورة المبيحة لتناول الميتة; لأنه خاف على نفسه أو عضو من أعضائه فدخل تحت النص. فصار آثما يعني إذا كان عالما بسقوط الحرمة فإن كان لا يعلم أن ذلك يسعه يرجى أن لا يكون آثما; لأنه قصد إقامة حق الشرع في التحرز عن ارتكاب الحرام في زعمه وهذا لأن انكشاف الحرمة عند الضرورة ودليله خفي فيعذر فيه بالجهل كما أن عدم وصول الخطاب إليه قبل أن يشتهر يجعل عذرا في ترك ما ثبت بخطاب الشرع كالصلاة في حق من أسلم في دار الحرب ولم يعلم بوجوبها عليه كذا في المبسوط.
هذا أي سقوط الحرمة إذا تم الإكراه بأن كان ملجئا. فإن قصر بأن أكره بالحبس سنة أو بالحبس المؤبد أو بالقيد مع ذلك من غير أن يمنع عنه طعام ولا شراب لا يسعه الإقدام على شيء من ذلك لعدم الضرورة إذ الحبس أو القيد يوجب الهم والحزن ولا يخاف منه على نفس ولا عضو ولا يسعه تناول الحرام لدفع الحزن, ألا يرى أن شارب الخمر في العادة إنما يقصد بشربها دفع الهم والحزن عن نفسه ولو تحقق الإلجاء بالحبس لتحقق بحبس يوم أو نحوه وذلك بعيد كذا في المبسوط. وقال بعض مشايخ بلخ إنما أجاب