وقالا بل يقتله ولا يقطعه; لأن القتل بعد القطع تحقيق لموجب القطع فصار أمر الجناية يئول إلى القتل, وقلنا هذا هكذا من طريق المعنى فأما من طريق الصورة في باب جزاء الفعل فلا, ألا ترى أن القتل قد يصلح ماحيا أثر القطع كما يصلح محققا; لأنه علة مبتدأة صالحة للحكم فوق الأول فخيرناه بين الوجهين. ولهذا لا يضمن المثلي بالقيمة إذا انقطع المثل إلا يوم الخصومة
ـــــــ
وإيضاح جميع ما ذكرنا في فصل الخطأ أنه لو قطع يده ثم قتله قبل البرء لا يجب إلا دية واحدة فكذا ههنا وقلنا هذا أي القتل بعد القطع قبل البرء, هكذا أي تحقيق لموجب القطع كما ذكرتم فكانا جناية واحدة ولكنه من طريق المعنى والمقصود فأما من طريق الصورة فلأن الفعل متعدد.
وقوله في باب جزاء الفعل إشارة إلى ما ذكرنا من الفرق أن الواجب في باب القصاص جزاء الفعل فإنما يقتل نفوسا بنفس واحدة لتعدد الأفعال بخلاف الخطأ فإن الواجب فيه بدل الفائت فإن جماعة لو قتلوا واحدا خطأ لم تجب إلا دية واحدة وههنا قد تعدد الفعل فيجوز أن يتعدد الجزاء, قوله ألا ترى أنه يصلح ماحيا أثر القطع كما يصلح محققا يعني أن القتل بعد القطع كما يصلح إتماما للفعل الأول من وجه فكذلك يصلح ماحيا له بمنزلة البرء من حيث إن المحل يفوت به ولا تصور للسراية بعد فوات المحل والقتل بنفسه علة صالحة للحكم وهو إزهاق الروح فوق الأول; لأنه ليس بمؤد إلى الإزهاق لا محالة بل الغالب فيه عدمه فيصلح أن يكون الحكم مضافا إلى القتل ابتداء, ألا ترى أن القاتل لو كان غير القاطع كان القصاص في النفس على الثاني خاصة ولو كان محققا لا محالة لوجب القصاص عليهما, ويؤيده قوله تعالى: {وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} [المائدة: 3] , جعل الذكاة قاطعة للسراية وإلا لما حل المذكى بعد جرح السبع. ولهذا قلنا إذا رمى إلى صيد تاركا للتسمية عمدا وجرحه ثم أدركه وذكاه حل فعلم أن الفعل الثاني يصلح ماحيا كما يصلح محققا فلهذا خيرناه بين الوجهين.
قوله:"ولهذا قلنا"أي ولكون المثل الكامل أصلا في ضمان العدوان وسابقا على القاصر قلنا إذا انقطع المثل في المثلي تعتبر القيمة وقت القضاء عند أبي حنيفة رحمه الله; لأن التحول إلى القيمة إنما يتحقق وقت القضاء إذ المثل هو الواجب في الذمة قبله وهو مطالب به حتى لو صبر إلى مجيء أو أنه كان له أن يطالبه بالمثل وإنما يتحول إلى القيمة للعجز وذلك وقت القضاء بخلاف ما إذا كان المغصوب أو المستهلك مما لا مثل له; لأن الواجب هناك وإن كان هو المثل عند أبي حنيفة ولكنه غير مطالب بأداء المثل بل