العقل آلة تدرك به الأشياء فيدرك به ما حسن وما قبح بعد أن ثبت ذلك بالسمع., وذهب إلى هذا كثير من المتكلمين وذهب إليه جماعة من أصحاب أبي حنيفة رحمهم الله, قال وذهبت طائفة من أصحابنا إلى أن الحسن والقبح ضربان, ضرب علم بالعقل كحسن العدل والصدق النافع وشكر النعمة وقبح الظلم والكذب الضار وكفران النعمة, وضرب عرف بالسمع كحسن مقادير العبادات وهيئاتها وقبح الزنا وشرب الخمر, قالوا وسبيل السمع إذا ورد بموجب العقل أن يكون وروده مؤكدا لما في العقل, وإليه ذهب من أصحابنا أبو بكر القفال الشاشي1 وأبو بكر الصيرفي2 وأبو بكر الفارسي3 والقاضي أبو حامد4 والحليمي5 وغيرهم وإليه ذهب كثير من أصحاب أبي حنيفة خصوصا العراقيون منهم وهو مذهب المعتزلة بأسرهم.
وإذا عرفت هذا فنقول الظاهر أن قوله عرف ذلك أي كونه موصوفا بالحسن, بكونه مأمورا لا بالعقل نفسه إشارة إلى أنه من موجبات الأمر كما ذهب إليه جماعة من أصحابنا وعامة أصحاب الحديث, ويدل عليه ما ذكر شمس الأئمة رحمه الله ولا نقول أنه أي حسن المأمور به ثابت عقلا كما ذهب إليه بعض مشايخنا; لأن العقل بنفسه غير موجب عندنا, وأشار بقوله نفسه إلى أن العقل ليس بمهدر أصلا بل هو آلة يعرف به الحسن بعد ما ثبت بالأمر كالسراج للأبصار ولكنه غير موجب بحال سواء كان مما زعم الخصم أنه مدرك بالعقل قبل الشرع أو لم يكن.
ومسألة الحسن والقبح مسألة كلامية عظيمة فالأولى أن يطلب تحقيقها من علم الكلام وأن يقتصر ههنا على ما ذكرنا وإنما كان الحسن من موجبات الأمر; لأن الأمر من الله تعالى طلب تحصيل المأمور بأبلغ الجهات وإنما يصح هذا الطلب إذا كان الفعل
ـــــــ
1 هو أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل المعروف بالقفال الشاشي الكبير ولد سنة 291 هـ وتوفي سنة 365 هـ شذرات الذهب 3/51.
2 هو محمد بن عبد الله الصيرفي أبو بكر الشافعي الفقيه الأصولي المتكلم توفي سنة 330 هـ وفيات الأعيان 1/580.
3 هو أبو بكر أحمد بن الحسين بن مسهل الفارسي الفقيه الأصولي الشافعي توفي سنة 350 هـ طبقات السبكي 1/286 - 287.
4 هو القاضي أبو حامد بن بشر بن عامر العامري المروروذي البداية والنهاية 11/209.
5 هو أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد حليم الحليمي ولد سنة 338 هـ وتوفي سنة 406 هـ شذرات الذهب 3/167.