دينه ما جوابه فقال بعض مشايخنا يجزئه التكفير بالصوم لما قلنا من فوات صفة اليسر به فيجعل المال كالمعدوم, وقال بعضهم: بل يجب بالمال ولا يجزئه الصوم بخلاف الزكاة, والفرق أن الزكاة وجبت بصفة اليسر وبشرط القدرة ولمعنى الإغناء بقول النبي صلى الله عليه وسلم أغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم
ـــــــ
قوله:"وجبت بصفة اليسر"; لأن مبنى الزكاة في الشرع على اليسر والسهولة ولهذا وجب القليل من الكثير ووجبت في النماء لا في أصل المال تيسيرا على أرباب الأموال ولهذا شرط لتكرار الواجب تكرار الحول كذا في أصول الفقه لبعض المشايخ, وشرط القدرة يعني قدرة توجب هذا اليسر, ولمعنى الإغناء بقوله عليه السلام:"أغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم"نص على معنى الإغناء, وهذا الحديث ورد في صدقة الفطر فإن ابن عمر رضي الله عنهما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس أن يؤدوا صدقة الفطر قبل أن يخرجوا إلى المصلى, وقال:"أغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم"1 ولكن الحكم يثبت في الزكاة بطريق الدلالة; لأن الإغناء لما وجب في صدقة الفطر لسد خلة الفقير مع قصور صفة الغناء فيها لقصور النصاب فلأن يجب في الزكاة لهذا المعنى مع كمال صفة الغناء فيها كان أولى. وقوله عليه السلام في مثل هذا اليوم متعلق بالإغناء لا بالمسألة يعني أغنوهم في مثل هذا اليوم عن المسألة, ثم قيل المثل زائد كما في قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] , والصواب أنه ليس كذلك وفائدته تعميم الحكم إذ لو لم يذكر لاقتصر الحكم على ذلك اليوم المعين, وإنما أدخل اللام في قوله ولمعنى الإغناء; لأن الزكاة والكفارة في صفة اليسر وشرط القدرة تشتركان فأما معنى الإغناء فمختص بالزكاة فلهذا أفرده باللام.
قوله ولقوله عليه السلام:"لا صدقة إلا عن ظهر غنى"2 ذكر في مجازات الآثار النبوية أن هذا القول مجاز; لأن المراد بذلك أن المصدق إنما يجب عليه الصدقة إذا كانت له قوة من غنى والظهر ههنا كناية عن القوة فكان المال للغنى بمنزلة الظهر الذي عليه اعتماده وإليه استناده ولذلك يقال فلان ظهر لفلان إذا كان يتقوى به ويلجأ في الحوادث إليه, وذكر في المغرب وأما لا صدقة إلا عن ظهر غنى أي صادرة عن غنى فالظهر فيه مقحم كما في ظهر القلب وظهر الغيب, ووجه التمسك به أنه عليه السلام شرط الغناء
ـــــــ
1 ذكره الزيلي في نصب الراية 2/432.
2 أخرجه مسلم في الزكاة حديث رقم 1034 الإمام أحمد في المسند 2/230 وأبو داود في الزكاة برقم 1676.