وبقوله:"لا صدقة إلا عن ظهر غنى"فهذا الإغناء وجب عبادة شكرا لنعمة الغنى فشرط الكمال في سببه ليستحق شكره فيكون الواجب شطرا من الكامل, والدين يسقط الكمال ولا يعدم أصله.
ولهذا حلت له الصدقة فلم يجب عليه الإغناء ولهذا لا يتأدى الزكاة إلا
ـــــــ
لوجوب الصدقة; لأن المراد من قوله لا صدقة ليس نفي الوجود إذ هي توجد وتصح بدون الغناء فيحمل على نفي الوجوب; لأن الوجوب أشد مناسبة للوجود من غيره وليس اشتراطه لثبوت اليسر في الواجب; لأنه لا يحصل به بل لثبوت الأهلية على ما مر ولا احتياج لثبوت الأهلية إليه إلا أن يكون المقصود غناء الفقير فتبين بهذا أنها وجبت لمعنى الإغناء, ولما ثبت أنها وجبت لمعنى إغناء الفقير إنما يجب شكرا لنعمة الغناء; لأن المال نعمة عظيمة به تعلق بقاء الأبدان وبه نيط مقاصد الدنيا والآخرة وإليه أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:"نعم المال الصالح للرجل الصالح"1, فوجب أن لا يخلو عن شكر يجب لله تعالى على سبيل العبادة كنعمة البدن ولم يجب في المال عبادة محضة سوى الزكاة فتعينت لشكر نعمة المال.
ثم الشكر يستدعي سببا كاملا ليؤثر في إيجاب الشكر من كل وجه; إذ لو لم يكن كاملا كان ملحقا بالعدم من وجه والعدم لا يؤثر فيمتنع وجوب الشكر من ذلك الوجه, والدين يسقط الكمال أي عن الغنى قال شمس الأئمة: وحاجته إلى قضاء الدين بالمال تعدم تمام الغنى بملكه; لأنه يوجب استحقاق المال عليه والمستحق بجهة كالمصروف إلى تلك الجهة بمنزلة الماء المعد للعطش, ولا يعدم أصله أي أصل الغنى; لأن المال باق على ملكه ولهذا جازت تصرفاته فيه ولما زال وصف الكمال عنه لم يجب به الإغناء; لأنه متعلق بالغنى الكامل وقد عدم.
قوله:"شطرا من الكامل"أي بعضا منه وشطر الشيء نصفه إلا أنه يستعمل في البعض توسعا, ومنه قوله عليه السلام في الحائض:"تقعد شطر عمرها", سمى البعض شطرا توسعا في الكلام واستكثارا للقليل ومثله في التوسع:"تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإنها نصف العلم", كذا في المغرب.
قوله:"ولهذا حلت"أي ولانتفاء الغنى بانتفاء الكمال عنه حلت للمديون الصدقة أي الزكاة وهي لا تحل لغني إذا لم يكن عاملا وابن السبيل.
ـــــــ
1 أخرجه الإمام أحمد في المسند 2/197.