فهرس الكتاب

الصفحة 375 من 2201

احتج الشافعي رحمه الله بأن العمل بحقيقة كل قسم واجب لا محالة إذ الحقيقة أصل في كل باب والنهي في اقتضاء القبح حقيقة كالأمر في اقتضاء

ـــــــ

عقود المعاملات تخلف الأحكام عنها وخروجها عن كونها أسبابا مفيدة للأحكام على مقابلة الصحة وأما الفساد فيرادف البطلان عند أصحاب الشافعي وكلاهما عبارة عن معنى واحد وعندنا هو قسم ثالث مغاير للصحيح والباطل وهو ما كان مشروعا بأصله غير مشروع بوصفه على ما سيأتي بيانه. وذكر صاحب الميزان فيه أن الصحيح ما استجمع أركانه وشرائطه بحيث يكون معتبرا شرعا في حق الحكم فيقال صلاة صحيحة وصوم صحيح وبيع صحيح إذا وجد أركانه وشرائطه قال وتبين بهذا أن الصحة ليست بمعنى زائد على التصرف بل إنما يرجع إلى ذاته من وجود أركانه وشرائطه الموضوعة له شرعا.

والفاسد ما كان مشروعا في نفسه فائت المعنى من وجه لملازمة ما ليس بمشروع إياه بحكم الحال مع تصور الانفصال في الجملة.

والباطل ما كان فائت المعنى من كل وجه مع وجود الصورة إما لانعدام معنى التصرف كبيع الميتة والدم أو لانعدام أهلية للتصرف كبيع المجنون والصبي الذي لا يعقل واعلم أن الصحة عندنا قد يطلق أيضا على مقابلة الفاسد كما يطلق على مقابلة الباطل فإذا حكمنا على شيء بالصحة فمعناه أنه مشروع بأصله ووصفه جميعا بخلاف الباطل فإنه ليس بمشروع أصلا وبخلاف الفاسد فإنه مشروع بأصله دون وصفه فالنهي عن التصرفات الشرعية يدل على الصحة بالمعنى الأول عندنا من حيث إن المنهي عنه يصلح لإسقاط القضاء في العبادات كما إذا نذر صوم يوم النحر وأداه فيه لا يجب عليه القضاء ولترتب الأحكام في المعاملات ولا يدل عليها بالمعنى الثاني لأنه ليس بمشروع بوصفه وإن كان مشروعا بأصله ثم القائلون بالفساد لغة تمسكوا بأن السلف فهموا الفساد من النواهي حتى احتج عمر رضي الله عنه في بطلان نكاح المشركات بقوله تعالى: {وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ} [البقرة: 221] واستدلت الصحابة رضي الله عنهم على فساد عقود الربا بقوله تعالى: {وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا} [البقرة: 278] وبقوله عليه السلام:"لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق"1 الحديث وهم أرباب اللسان فدل أن ذلك ثابت لغة ولأن الأمر يقتضي الصحة لغة والنهي يقابله فيقتضي ما يقابله الصحة وهو البطلان لوجوب تقابل أحكام المتقابلات.

ومن قال بالفساد شرعا لا لغة قال لا دليل في اللفظ على الفساد إذ لو صرح الشارع

ـــــــ

1 أخرجه مسلم في المساقاة حديث رقم 14 وأبو داود في البيوع باب رقم 9.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت