الملك لما قلنا ولا يلزم إذا جامع المحرم أو أحرم مجامعا أنه يبقى مشروعا مع كونه فاسدا لأن الإحرام منهي لمعنى الجماع وهو غيره لا محالة لكنه محظوره فصار مفسدا والإحرام لازم شرعا لا يحتمل الخروج باختيار العباد ففسد ولم ينقطع بجناية الجاني, وكلامنا فيما ينعدم شرعا لا فيما لا ينقطع بجناية الجاني.
ولا يلزم الطلاق في الحيض أو في طهر جامعها لأنه منهي عنه لمعنى
ـــــــ
أمها وابنتها فقال:"الحرام لا يحرم الحلال"1 وبما نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عمن غشي أم امرأته هل تحرم عليه امرأته فقال لا الحرام لا يحرم الحلال. وهكذا نقل عن عائشة رضي الله عنها أيضا.
قوله:"وكذا الغصب"إذا غصب شيئا وقضى القاضي بالضمان أو تراضيا على ذلك أن يثبت الملك للغاصب في المغصوب مستندا إلى وقت الغصب عندنا وقال الشافعي رحمه الله لا يثبت الملك بالغصب أصلا وتظهر ثمرة الاختلاف في ملك الأكساب ونفوذ البيع ووجوب الكفن على الغاصب إذا مات المغصوب وغير ذلك قال لأن الغصب عدوان محض فلا يصلح سببا للملك لأن الملك نعمة وكرامة يصل به إلى مقاصده الدينية والدنيوية فيتعلق بسبب مشروع لا محظور لأن المحظور سبب للعقوبة لا للكرامة والنعمة ألا ترى أنه لو قتل عبد غيره ثم ضمن قيمته فإنه لا يملكه حتى يكون الكفن على المالك لأنه متعد كذلك ههنا بخلاف وجوب الضمان لأن الجناية تصلح أن تكون سببا لوجوب الغرامة على الجاني والملك في الضمان إنما يقع للمالك لا بسبب الجناية ولكن بملك الأصل.
واعلم أن بناء هاتين المسألتين على الأصل المذكور مشكل لأن الزنا والغصب من الأفعال الحسية ولا خلاف أن النهي عنها يوجب انتفاء المشروعية ولهذا لم يقل أحد بمشروعية الزنا والغصب ونحن إنما جعلناهما سببين للحرمة والملك لا لأن النهي يقتضي المشروعية فيهما بل لما نذكره من بعد وكلامنا في النهي عن الأفعال الشرعية فلا يستقيم بناؤهما عليه إلا من حيث الظاهر وهو أن النهي يقتضي انتفاء المشروعية مطلقا سواء كان المنهي عنه شرعيا أو حسيا.
قوله:"ولا يلزم"أي على ما ذكرنا أن النهي عن المشروع يوجب فساده وقبحه ومع صفة الفساد لا تبقى المشروعية إن المحرم إذا جامع قبل الوقوف يفسد حجه وإحرامه
ـــــــ
1 أخرجه ابن ماجه في النكاح حديث رقم 2015.