ودلالة صحة هذا المذهب إجماع السلف على الاحتجاج بالعموم ودلالة أن في ذلك شبهة إجماعهم على جواز التخصيص بالقياس والآحاد وذلك دون خبر الواحد حتى صحت معارضته بالقياس, أما الكرخي فقد احتج بأن ذلك
ـــــــ
قوله:"إجماع السلف على الاحتجاج بالعموم"أي بالعام الذي خص منه فإن فاطمة احتجت على أبي بكر رضي الله عنهما في ميراثها من أبيها بعموم قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} [النساء: 11] الآية مع أن الكافر والقاتل وغيرهما خصوا منه ولم ينكر أحد من الصحابة احتجاجها به مع ظهوره وشهرته بل عدل أبو بكر رضي الله عنه في حرمانها إلى الاحتجاج بقوله عليه السلام:"نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة"وعلي رضي الله عنه احتج على جواز الجمع بين الأختين بملك اليمين بقوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [المؤمنون: 6] فقال أحلتهما آية مع كون الأخوات والبنات مخصوصة منه وكان ذلك مشهورا فيما بين الصحابة ولم يوجد له نكير. وكذا الاحتجاج بالعمومات المخصوص منها مشهور من الصحابة ومن بعدهم بحيث يعد إنكاره من المكابرة فكان إجماعا.
قوله:"وذلك دون خبر الواحد"أي العام المخصوص منه من الكتاب والسنة المتواترة دون خبر الواحد في الدرجة لأن القياس لا يصلح معارضا لخبر الواحد عندنا حتى رجحنا خبر القهقهة على القياس ورجحنا خبر الأكل ناسيا في الصوم على القياس ورجح أبو حنيفة رحمه الله خبر النبيذ على القياس ثم إنه يصلح معارضا للعام المخصوص منه حتى صح تخصيصه به بالإجماع والتخصيص به إنما يكون بطريق المعارضة من حيث الصيغة كما ستعرف وهو معنى قوله حتى صحت معارضته بالقياس فكان هذا العام دون خبر الواحد ضرورة.
قوله:"أما الكرخي"احتج أبو الحسن الكرخي ومن وافقه بأن المخصوص إذا كان مجهولا أوجب تخصيصه جهالة في الباقي لأن أي فرد عين من الباقي لإثبات موجب الكلام فيه يحتمل أن يكون هو المخصوص منه وهذا لأن دليل الخصوص بمنزلة دليل الاستثناء في الحكم وإن فارقه في الصيغة لأنه يبين أنه لم يدخل تحت الجملة كالاستثناء يبين أن المستثنى لم يدخل تحت المستثنى منه, ولهذا عد عامة الأصوليين الاستثناء من باب