حكم لا يعرف إلا باستقراء كلام العرب وبالتأمل في موضوع كلامهم كالحكم الشرعي إنما يعرف من قبل اتباع الكتاب والسنة والتأمل في أصول الشرع وكلاهما حجة عليه ودليل لما قلنا أما الأول فإن العرب تقول جاءني زيد وعمرو فيفهم منه اجتماعهما في المجيء من غير تعرض للقران أو الترتيب في المجيء ولأن الفاء يختص بالأجزئة ولا يصلح فيها الواو حتى أن من قال لامرأته إن دخلت الدار وأنت طالق طلقت في الحال ولو احتمل الواو الترتيب لصلح للجزاء كالفاء وقد صارت الواو للجمع في قول الناس جاءني الزيدون وأصله جاءني زيد وزيد وزيد وقالوا لا تأكل السمك وتشرب اللبن معناه لا
ـــــــ
في المتفقين فإذا قلت جاءني زيد وعمرو لم يجب أن يكون المبدوء به في اللفظ سابقا بل كل منهما بمنزلة صاحبه في جواز تقديمه كما إذا قلت جاءني الزيدان إن لم يكن اللفظ مقتضيا تقدم أحدهما بل مقتضاه اجتماعهما في وجود الفعل فقط ولأن الفاء يختص بالأجزئة وذلك لأن الجزاء متعقب على ما يوجبه من شرط أو نحوه والفاء هي التي تدل على التعقيب فلذلك اختصت بها ولا يصلح فيها الواو لما ذكر فلو كان موجبها الترتيب لما افترق الحال بين الفاء والواو
قوله"وأصله جاءني زيد وزيد وزيد"وإنما كان كذلك لأنه نظير جاءني بكر وبشر وخالد وهذا المجموع أسماء أعلام وضعت لأشخاص مختلفة من غير نظر إلى المعنى إلا أن الألفاظ إذا كانت مختلفة لا يمكن جمعها في لفظ واحد مع كمال المقصود وهو تعريف ذواتهم فلذلك يقال جاءني بكر وبشر وخالد فأما إذا كانت متفقة فيمكن اختصارها بصيغة الجمع والاكتفاء بلفظ واحد منها مع كمال المقصود فيقال زيدون احترازا عن التطويل والتكرير المستكرهين وهذا الواو لمطلق الجمع بالإجماع فيكون الواو في قوله جاءني بكر وبشر وخالد كذلك أيضا لأن هذه عين تلك كذا في بعض الشروح
قوله"وقالوا"أي أهل اللغة لا تأكل السمك وتشرب اللبن قال الشيخ الإمام عبد القاهر اعلم أن النصب في قولك لا تأكل السمك وتشرب اللبن. بإضمار أن والذي أوجب ذلك أنهم لو أدخلوا ما بعد الواو في إعراب ما قبلها لاشتمل النهي على كل واحد من الفعلين وليس الغرض ذلك وإنما المقصود النهي عن الجمع بينهما فلما لم يكن إدخال تشرب في إعراب تأكل وجب أن يضمر أن وينزل قولك لا تأكل السمك منزلة لا يكن منك أكل السمك ليكون تشرب, مع تقدير أن مصدرا معطوفا على مثله نحو لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن فحصل بهذا الإضمار معنى النهي عن الجمع بينهما وأن